الكوبُ المَعدِنيّ على الوتد العالي

كان الكُوب المَعدِنيُّ مُعلّقا هناك على وَتَدٍ من الخَشب على الجدار الطّيني. كان مَصنوعا من مَعدنِ التَّنَك. وكان مُتوسط الطول والاتّساع. وكان له مقبض من نفس المعدن. وعلى فوهته كان له بروز معدني خفيف يَتّكِئُ على الشَّفة السّفلى عند الشُّرب. وكان له لمعان غريب في الظهيرة وهو مُعلّقٌ لِوحدِه في أعلى الجدار وحوله تنتشر الشمس وتنتشر ضوضاء البشر والحيوانات والآلات المختلفة. كان دائما هناك مُعلّقا وحده على الوتد الخشبي العالي، جامدا بلا حراك وحوله تنتشر الضوضاء البشرية وسواها

كان يَعبُرُ مَرّةً كل أسبوع بانتظام غير صارم، حيث أنه كان يعبر مرتين أحيانا في الأسبوع. يوقف حماره العجوز عند مدخل البيت ويربطه على جذع ” الشريشة” ثم يقرع الباب ويتحمحم بصوته الأجش ويدخل بهدوء إلى الداخل. تستقبله العجوز “غَنِيَّة” بترحيب فاترٍ دائما وتخبره في كل مرة أين يجلس بالضّبط داخل ” الدروازة” رغم أنه يعرف جيدا بنفسه أين عليه أن يجلس. تُقرّب له صحن التمر والقهوة وفنجانه الخاص. وبينما يأكل تراقب هي البقع البيضاء على وجهه ويديه. يتبادلان كلاما غير مهم ثم تنهض وتذهب إلى ذلك الركن من البيت حيث الجدار الباهت وقد دُقّ فيه الوَتَد الخشبي . تسحب الكوب المعدني المُعَلَّقَ على الوتدِ العالي بهدوء وتسكب فيه الماء البارد من الجحلة وتذهب الى الشّايب حميد وتناوله الكوب بحذر شديد. يمد يده المُبيَضَّةَ ويتناوله، ويشرب ويستأذن للخروج. ويمضيان هو وحماره العجوز بهدوء. يسيران متجاورين بنفس البطء. ودائما يتكرر نفس المنظر من تلك الزاوية من الباب حيث تقف العجوز غَنيّة لتراقب ابتعاد الشايب “حميد” وحماره العجوز. يبدوان من الخلف وهما يبتعدان مثل دابّتين غَبراوَين غير مُتمايزتين وغير مُحَدّدتي النَّوع، تضيعان ببطءٍ في الجوّ المخلوط بصَهَد الظّهيرة والغُبار العالق

لا أحد من أهل القرية يعرف على وجه التّحديد متى وُلد الشايب حميد، ولماذا عاش وحيدا حتى هذا العُمر، ولماذا وكيف أصيب في السّنوات الأخيرة بالبَرَص. كان يُشاهَدُ كلّ يوم وهو يَعبرُ بين ضَواحي النّخيل مع حِماره، بينما تتساقط عليهما بُقع الشّمس من بين سعف النخيل، وتبدو حينها دِشداشةُ الشّايب حميد مُشابهةً لوجهه ويديه. كما لا يبدو عندها الفرق واضحا بين جِلْدِ حِماره ودشداشته الغَبراء. كانا يندمجان كِليهِما بالعالم المُبَقَّع حولهما.

لم يعرف أهل القرية بالتحديد كيف ومن أين حصل الشايب حميد على حماره العجوز. كان هذا منذ نحو عشر سنين. ظهر فجأة وبرفقته هذا الحمار. وضاعت كل الاستفسارات التي انهالت على الشايب حميد عن الحمار بدون أن يتّضح الأمر، حتى أنهم مَلّوا في النهاية من الأسئلة وتقبّلوا الأمر كأنه أمر معتاد منذ زمن طويل. وبدا الحمارُ عَجوزًا منذ البداية. وبدا للجميعِ مُتآلفا مع الشايب حميد وكأنه ولد معه وعاش معه منذ البداية. وبدا الحمار دائما مُندمجا مع طبيعة صاحبه ومع سلوكه ومع جميع تفاصيل حياته اليومية. بدا مُندمجا مع كلّ هذا منذ البداية على نحوٍ غريب. وبدا الكائنان مُندمجين إلى درجة أن الشايب حميد لم يطلق على حماره اسمًا خاصا مثل عادة معظم أهل القرية. وكان حين يقول ” حماري” يُشبه كلامه العاديَّ حين يقول يدي أو رجلي أو أي شيء آخر في جسمه

وكان الحمار دائما مِطواعًا ويَقبَل أن يَحمِل أي شيء على ظهره بدون أيّة إشارة أو تعبيرات عن الرّفض. وهكذا كان الشّايب حميد يكسب قوتَ يومه بالعملِ حَمّالًا هو وحِماره

في ذلك اليوم ارتبَكت العجوز غنيّة- قريبته الوحيدة في القرية- حين شاهدته أمام باب بيتها. لقد كان هناك في اليوم الذي قبله. إنها أوّل مرة منذ سنين يزورها ليومين متتاليين. لكنها أدخلته كعادتها وقرّبت له التّمر والقهوة وفنجانه الخاص. وانتظرته وهو يأكل ساهِمًا وشاردَ الملامحِ حتى ينتهي وتجلب له كوبه المعدني كالعادة. وكانت هي أيضا شاردة الذهن تتذكّر تلك الأيام التي ظهر مرض “البلص” على يدي الشايب حميد ووجهه لأول مرّة. وتذكّرت كيف أنها كانت لا تريد استقباله خوفا من تَسلّل هذا المرض إلى بيتها. وكيف ابتكرت فكرة الكوب المعدني المُخَصَّصِ للشّايب حميد فقط، الذي تُعلّقه دائما في ذلك الوتد العالي على الجدار. وذلك أن الشّايب حميد كان نادرا ما يدخل إلى بيتها، ويكتفي غالبًا عند مروره ببيتها عائدا من السوقِ، بشُربِ كوبِ ماءٍ باردٍ عند الباب ويمضي مع حماره. كانت حريصة دائما أن يكون الكوب مُعلّقا باستمرار على ذلك الوتد العالي حتى لا تَمتدَّ إليه يدُ أحدِ أبنائها أو أحفادها ولكي لا يستخدمه أي شخص آخر. وكانت حريصة أن تحمي بيتها من التّلوّث بهذا المرض. كان ذلك الكوب المُلوّث دائما وحيدا وجامَدا في موضعه مُعلّقا من مقبضه على الوتد الخشبي الوحيد والعالي في الجدار

بعد أن لاحظت انتهاءه من التمر والقهوة نهضت وجلبت له كوب الماء وشرب وهَمَّ بالخروج. عندها استدار إلى الوراء وقال الكلام الذي كان يبدو أنه يفكّر فيه طوال الجلسة

” غنيّة، الحمار منذ يومين لا يقترب من الطّعام ولا يشرب”

وتنهّد وأطرق برأسه إلى الأسفل

أخذت العجوز غنيّة في الحديث عن عدّة تفسيرات شعبية للأمراض التي تُصيب الحمير وعن العِلاجات المُعتادة في مثل تلك الحالات

كانت تعرف أن الشّايب حميد يعرف كل هذا الكلام ولكنها استمرت تتكلم. وهو ظل واقفا أمامها بدون أن تنظر عيناه إلى شيء مُحدّد. وبدا كما لو أن دمعة توشك أن تنزل من عينيه. ولكنه ظل هكذا واجما بدون أن ينظر إلى شيء محدد وبدون أن تنزل تلك الدمعة. فكّ رباط حماره ومضيا مُبتعدين يذوبان في الجو الملتبس بالغبار والحرارة

جلست العجوز تتذكر سنين الشايب حميد الأخيرة بعد المرض. وتتذكر منظره المعتاد وهو يمشي برفقة حماره، وحيدين يَعبران ظِلال الضَّواحي وحولهما بيوت القرية تتهامس عن هذا الكائن الوحيد والمعزول والمُلوَّث. وتتذكر كيف أخذ الناس يُطلقون النَّوادر عن الشايب حميد الذي اكتشف في آخر أيامه أن له شقيقا يمكنه أن يقاسمه غرفته وعمله معا. وتتذكر كيف كان الشايب حميد يتجنب الاختلاط بالناس مثلما يتجنب حماره الاختلاط بالدّواب

في المرّتين التاليتين اللتين زار فيهما الشايب حميد العجوز غنيّة لاحظت أن حماره يبدو أهزل في كل مرة ويبدو أكثر ضُمورًا. وكانت عظام الحمار تبرز أكثر كل مرة كأنما أخذ اللحم يتلاشي شيئا فشيئا ويوشك جلده أن يسقط أيضا لكي لا يتبقى منه شيء سوى العظام المُوْهَنةِ من أثر أحمال السنين الماضية. أما الشايب حميد فإنها لم تلاحظ تغييرا محددا على تفاصيل جسمه لأنه كان دائما هزيلا إلى الحد النّهائي للهُزال. ولاحظت أنه صار لا  يتكلم إلا قليلا وأن ملامح وجهه كانت مُكتسية بحُزنٍ أكثر من المعتاد

بعد أن تَغيّب الشايب حميد عن زيارة العجوز لأسبوعين كاملين، جمعت العجوز غنية اثنين من أبنائها وذهبت برفقتهم إلى بيت الشايب حميد ذي الغرفة الطينية الوحيدة في أقصى القرية، لكي تطمئنَّ على وضعه

حين وصلوا كان الباب الخشبي القديم مُغلقا. وحين دخلوا كان أول ما لاحظوه أن الحمار كان واقفا على أرجله مُطرِقَ الرأس. رفع عينيه إليهم وبدت عيناه كما لو أنهما غارقتان في الدموع. وفي الرّكن البعيد من الغرفة كانت جثّة الشايب حميد راقدةً على الفِراش القديم بدون حِراك. وكانت عِمامته قد سقطت قليلا إلى الوراء وانزاحت عن جبهته، وكشفت عن أذنيه الطويلتين

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون

موقع ويب مدعوم بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑