
!البالون الأصفر يطيرُ فوق تَلّة مليئةٍ بالأشواك. بالوني
!أركض حول الأشواك وأنفخ في اتجاهه لعله يبتعد عنها قبل أن ينفجر. بالوني
.قامتي قصيرة وذراعاي قصيرتان وبالوني لا يعرف أنني صغيرٌ ذي ستّة أعوام فقط
يلمع بالوني الأصفر فوق الأشواك مثل حِليةٍ ذهبيّة منفوخةٍ وأنا ما زلت أنفخ في اتجاهه
أراه يتطاير أمامي ويحط ثانية على الشّوك، وأخاف الشوك. ليت أبي هنا

المنبّه يرنُّ وأنا أطرد بقايا أشباح النوم. لا ينبغي للابن البكر وقد أصبح في الثلاثين من عمره أن يتهاون في واجب كهذا. هو اليوم الثاني في العزاء. الجميع يظنون أنني حزين لموت أبي
كثير من السّواد والدموع. مجلس العزاء يحتوي طنينا هائلا لأصواتٍ مُبهمة، كل واحدٍ من المعزّين الجالسين يتشاغلُ بالحديث إلى من في جواره، وطنينُ الكلام والهمس يملأ المكان
وحدي آثرت الصّمت الجليل، كالعادة. أستطيع في هذه اللحظات القليلة من انقطاع المُعزّين أن أسترخي على ظهر الكرسي وأغفو، أو أتذكّر
البالون الأصفر ما زال يُقاوم ولكن لا أحد يسمع صراخي: أبي، أبي
أتصبّب عرقا تحت شمس الظهيرة في هذا الصيف الحارق. هذه الشمس التي تحرقني وتوشك ان تُفجّر بالوني
أعرف أن أبي وأمي مشغولان وأنا وحدي هنا وبالوني يوشك أن ينفجر ولا أحد يسمعني
هزّتني يد من كتفي ورأيت عجوزا فوقي يُتمتم بدعاء خافت. نهضتُ وصافحته ثم صافحت كل من معه ومضوا يصافحون الآخرين. صارت هذه التكرارات المُتقنة تربكني. هذا العجوز مثل الآخرين، لا يذكر أبي إلا بالخير
لا أعلق على كلامهم عنه وأكتفي بالقول: الحمد لله على كل حال
كانت شمسا حارقة في شهر يونيو في تلك السنة البعيدة حين رأيت الحقيقة لأول مرة. ركضت عائدا إلى البيت حين رأيت بالوني فوق الأشواك. كنت أركض والظهيرة تحرق المنازل، والكبار جميعا كانوا في بيوتهم في قيلولة لابد منها. رأيت الحقيقة عند باب منزلنا الخلفي الذي يطل على سكة ضيقة. شعرت بطعنة في قلبي ذي الستة أعوام حينها. رغم أنني لم أفهم كل شيء لكنني فهمت ما يكفي لكي أعيد التفكير في كُرهٍ غامض طالما كنت أكنّه لهذا الرجل الذي يضربني إذا فاتتني صلاة واحدة. رأيت أبي هناك مع تلك المرأة. لم أفهم المنظر تماما ولكنني فهمت أنه شيء سيء. شَعر بي بدون أن يلتفتَ ولكن نظرةً غامضة من زاوية عينهِ وخَزتني خلال ثانية واحدة، وركضت بدون أن أفكر. إنني أطير راكضا والأرض الملتهبة تحرق قدميّ وقلبي. حين توقفت بعد أن أنهكني الركض الطويل شعرت بماء كثير في عينيّ. لم أصدر صوتا ولكن عينيَّ امتلأتا بماءٍ كثير وامتلأ قلبي بتلك النظرة الهائلة التي ملأت العالم خلال ثانية واحدة
“كان رجلا يخاف الله” قال عجوز آخر وهو يدنو مني للتعزية
نعم، نعم، كلكم صح إلا أنا. كان صالحا، خيرا، طيبا. لم يكن نذلا، وضيعا، منافقا، مريضا
البالون الأصفر يتطاير فوق شوكة محددة. رأيت طرفها المدبب بعيني المفتوحة على آخرها وبالشهقة التي على فمي. أرى نصلها الحاد يلمع تحت الشمس الحارقة وينتشر ضوؤه ويملأ المكان. البالون الأصفر يقترب كثيرا من الأشواك وأنا الان غارق كالاعمى في هذا السيل الجارف من الشعاع واللمعان
المكان بدأ يفرغ من المعزين. الأصوات خفتت وأصبح بإمكاني أن أركز في ملامح الناس القليلين المتبقين في مجلس العزاء
رأيت بعض الجيرانِ والأقارب و شخصا غريبا في الركن البعيد. رجل غريبٌ يجلس في الزاوية البعيدة ويسدّد نظرة غامضة إلي. رأيته يحدجني بطرف عينيه. شعرت بشيء غامض يطعنني في صدري. لم أعرفه من ملامحه البعيدة ولكن شيئا ما بدا مألوفا في تلك النظرة الغامضة من الزاوية الضيقة. هو في نهاية الرواق وثمة كثيرون يخرجون من أمامه ويوميء إليهم بالتحية ولكنني أشعر بأن زاوية ضيقة في عينيه لا تتحرك وتنظر إلي باستمرار. أرعبني ما شعرت به. شعرت أنه سمع كل ما قلته عن أبي داخل رأسي
.الابرة الحادة وقعت على البالون. البالون الأصفر سقط وانفجر. لم يتبق منه سوى الأشلاء

” هل ترغب في طلب شيء مُعيّن يا ولدي؟” قال جارنا العجوز وهو يقف قبالتي ليودّعني
هااااا؟؟. أجبتت وأنا ألتفت إليه. ضحك بطريقة غامضة وقال بأنه اليوم الثاني للعزاء وأنه لا بد أنني حزين جدا ومرهق
بقيت صامتا لا أفكر بشيء سوى بتلك العينين المسدّدتين إلي من الركن البعيد. لم أجب السائل والتفت اتجاه الباب حيث كانت تلك العينان، ولكنني لا أرى أحدا هناك الآن
اندفعت في اتجاه الباب، يجب أن أمسكه وأنظر في عينيه مباشرة. سوف أمسكه وأقتلع تلك النظرة الآن
ها أنا أركض ثانية والأرض الملتهبة تحرق قدميّ وقلبي. فجأة أصاب قلبي وخز غريب وتسمّرت مكاني
أحاول أن ألوّح بيدي للشبح الذي يبتعد ولكن ذراعي وصوتي لم يتحرّكا. شعرت بوخز في عيني من الشمس الحارقة. شمس يونيو كانت حينها تحاول أن تكشف كل شيء، كل شيء.
صفعتتني شمس يونيو الحارقة
.شمس يونيو أحرقت البالون وأحرقت السِّكة وأحرقت العزاء وأحرقتني
من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون