
كان لِعينيه بريقٌ زُمُرّديٌّ حَزينٌ وغامِضٌ يُشِعُّ في الليل. كانت عيناه لا تعكسان الضوء بل كانتا تُشعّانِ ذاتِيّا بذلك البريق الحزين المُلوَّن.
كان واقِفا بجسمه الطويل والنّحيلِ تحت مصباح أصفر باهت، يتطاير حوله وَبَرٌ دقيقٌ لونهُ مُصْفَرٌّ وأبيض. كان تحت المصباح في تلك الليلة وفوقه هالة من الضوء الأصفر يتطاير فيها وبرٌ دقيقٌ مُصفرٌّ وأبيض. وتحت الهالةِ كانت عيناهُ تَلمعانِ ببريقٍ زُمرّديٍّ حزين.
وكان يُمكنه من مكانه ذاكَ أن يسمع تَهامسهم وهم يتآمرون عليه في تلك الليلة. وكان جامدا لا يتحرّكُ تحت الهالةِ التي تُشعُّ بالوَبرِ والزُّمرّد.
في الصَّباح التاّلي كان ما يزال نائما تحت سور المنزل حين استيقظ على وقع أقدامٍ سريعة. ولم يكد يفتح عينيه لضوء النّهار حتى أخذ المكان يُظلم بسرعة وهم يُقَرّبون لُفافةَ الخيش بسرعةٍ من رأسه، ويَلفّونه خلال ثوانٍ بكامل جسمه في ” الجونيّة” الرّمادية.
أحسَّ بجسمه يرتطم بأشياء معدنية جامدة بينما يَعصرونَه داخل الجونيّة المَلفوفة والمُحكمة الرَّبط. وبعد قليل وجد نفسه غارقا في الظلام، وفي رائحة الأَرُزِّ النَّيء.
كانت الضّوضاء التي تتسلّلُ وسط العتمة الكثيفة غير كافية لتوضيح ما يحدث. وحدها رائحة الأرز النَّيء كانت واضحةً جدا في تلك العتمة. كان يُحسّ بكل اهتزازات السيارة في الشارع الطويل وهو جامد ومُنطَوٍ على نفسه تُحيط به العتمة ورائحة الأرُزِّ النَّيء.
في تلك اللحظة تَذكّر حين كان يَجِدُ بابَ المطبخ مُواربًا لكي يستطيع دَفعه بجسمه النّحيل والدخول بسهولةٍ ليجدَ طعامه المُخصَّصَ له مَوضوعًا في نفس الرُّكن من أرضِيّة المطبخ. وكان قبل الوصول إلى موقعِ طَبق طعامهِ عليه أن يَمرَّ بجوارِ “جُونِيَّةِ العيش” التي تفوح منها رائحة الأرز النَّيء بدون أن يلمسها.

فجأة نَهَزَتهُ وَقفةٌ مُفاجأةٌ للسّيارة، وضَحَّتْ فجأةً حَوله كُتلةٌ ضَخمةٌ من الضّوء. سُحِبَ بِجونِيّتهِ الضَّيقة، ورُميَ على الأرضِ بارتطامٍ عَنيف. كانوا يَشتُمونهُ وهم يَفُكّون عُقدة الجونيّة.
وجد نفسه فجأة وسط مساحةٍ واسعةٍ من الفراغ وأشجارِ السّمْر. قَذفتهُ إطارات السيارة بسحابةِ غُبارٍ وهي تبتعد.
ظلَّ مُمَدَّدا تحت الظّلِّ الشَّحيحِ للسّمْرة وحوله الفراغ والحرارة ُالمُشتعِلة. كانت عَيناه جامِدتَيْ النَّظرةِ بينما عضلاتُ جسمه تَختلِجُ تحت جِلده وتجعل جسمه كُله يَهتزُّ بوَبَرهِ الأبيض والمُصفرّ. كانت الجونية قد اختفت ولكن أنفه كان مليئا برائحة الأرز النَّيء.
في اليوم التالي وجدوه رابضًا تحت سور المنزل. مُتمَدِّدًا بجسمه الذي تهتز عضلاته تحت جلده ذي الوبر الأبيض والمصفر. رابضا بدون أن يتحرك ولكنه يُسدّد إليهم نظرته الجامدة ببرود مرعب.
لم يعرفوا كيف تمكّن من العودةِ من المكان النّائي الذي وُضع فيه لأول مرةٍ في حياته. تناقشوا حول إمكانية استمرار عَيشِه بينهم لو أنّه التزم بالقانون المنزلي العريق بألا يقترب من شيء إلا إذا أعطوه له. كان يمكنه أن يحصل على الطعام حتى نهاية عمره لو ظل يذهب إلى أرضية المطبخ كالمعتاد ويَلعق ذلك الصحن المتروك له. “لكنه تجرأ. لقد تجرأ بالصعود بنفسه إلى طاولة الطعام وأخذ ما يريد”. “لقد تجرأ علينا وأكل معنا من صحن واحد”. أجمعوا أن هذا حُكمٌ بَديهيٌّ في مثل حالته. وأنه حُكم نهائي من المرّة الأولى.
ربطوه إلى الجونية بسرعة أكبر هذه المرة. ولكنهم أضافوا ركلاتٍ كثيرةً الى العَمَليّة. هَرَسوهُ بأحذِيَتهم الكبيرة ذات القواعد الصّلبة. وألقوه في مكان أبعد وأعمق في الصحراء الخالية.
بعد يوم واحد وَجَدوهُ رابِضًا في صالة المنزل بنفس هيئة اليوم السابق. لَعَنوه وضَرَبوه وشَتَموه واقتادوه الى صحراءَ خاليةٍ أبعد.
بعد يوم آخرَ وجدوه رابضا في غُرفة النَّوم بنفس اهتزازِ جِسمهِ الضّامِرِ ونَظرته الثّابتة المُرعِبة. ضَربوه أكثر واقتادوه ورموه في مكانٍ أبعد.
ظل هكذا طوال أيامٍ يَرمُونه، ويجِدونَهُ في اليوم التالي رابِضا في مكانٍ ما بالمنزل. وكانت تنتشر في أرجاء المنزل شُعَيراتٌ من الوَبَر الأبيض والمُصفَرّ. كانوا يَكنِسونَها جيِّدا ولكنها تُعاود الظُّهورَ فوق الكراسي والأسِرَّة وبين أدوات المطبخ. حتى أنهم وجدوا وَبَرا عالقا في ملابسهم ذات مَرّة.
تَحاشوا قَتلَهُ في البداية خِشيَةَ أن يكون مَسحورا وأن يَجلِب قَتلُه عاصِفةً من الأشياء المُرعِبة على شاكِلَته. ولكنَّهم كانوا يَتَضايقون كثيرا من عودته الغامضة ومن وبَرِه الذي ينتشر على الأشياء ولا يَنْكَنِس.
ازداد الأمر فَداحةً حين صارَ الأَرُزُّ فجأةً لا يَنضج في مطبخهم. كانوا يَطْهونَه لساعاتٍ ولكن الأرز يظل نيّئا في القُدور. الأرز الذي يشكل غذاءهم الأساسي توقف عن الاستواء بالنار في الطبخ وكان يظلُّ نَيِّئا في القُدور مهما طَبخوه. واستشاطَ رَبُّ المنزل غضبا حين جاء ذات يوم لكي يَرتدي بدلته العسكرية للذهاب إلى العمل فوجدها مَليئةً بشُعَيراتٍ كثيرة من الوَبر الأبيض والمُصفر.
بعد أربعين يوما، حين أحسوا أنه صار يهددهم في غذائهم الأساسي الذي يظل نيّئا في القدور بدون أن ينضج، وصارَ وبره يوسّخ كل أغراضهم بدون أن ينكنس، أجمعوا رأيهم على التخلص منه إلى الأبد مهما تَطلَب الأمر.
وضعوه على جِذع سِمْرةٍ في الصحراء، وسدّدوا الرصاصات مباشرة إلى عينيه الثابتتين. هَوى جِسمهُ بدون صُراخٍ على الأرض دُفعةً واحدة. ولكن نظرته ظلّت جامدة وثابتة ومرعبة ومُسددةً إلى عيونهم مباشرة.
بعد ذلك اليوم لم يعودوا يجدونه رابضا بجسمه النحيل الممطوط في أي مكان بالمنزل.
ولكنَّ الوَبَر الأبيض والمُصفرَّ ظلَّ على نحوٍ غامضٍ يَنتشر في أرجاء المنزل ويتكاثر كلما كَنسوه. كما أن الأرزَّ ظل نَيِّئا ولا ينضج أبدا في قدورهم.
وبكوا لأنهم لن يتمكنوا من قتله ثانيةً.

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون