ما زِلتُ أمُدُّ يَدِي

كنتُ هناك، في ذلك الجَوّ العائِم والمُلتَبِسِ المَلامِح. قِفلُ الباب عالٍ جدا، والإضاءة مُرهقةٌ للعَين في الغُرفة. وكنتُ هناك أمشي بارتِخاءٍ وكأنني أمشي فوق البَحر. وكنتُ سأمُدّ يَدِي إلى سطح الطّاولة. وكانت الطاولة تَمِيسُ أمام يدي بهدوء وخِفّة. وكانت الجُدران خضراءَ كثيرا، مثلَ أوّل أوراقٍ تَنبتُ في شجرةِ اللّيمونِ في فصلِ الصّيف. وكنتُ أنا هناك قصيرًا وعُيوني نصفُ مُغمضةٍ وأمدّ يَدِي إلى سطح الطّاولة التي تَميس.

إنّه جرسُ الباب يُقرع فجأة بشكلٍ مُتواصِل ويضطرّني إلى النّهوض من السّرير. يدخل زوجُ أختي بابتسامته العريضة المألوفة المُنتشرة على كلّ وجهه.

رأسي يؤلمني ولكنني أحاول أن أجمع تَشتّتَ نفسي وأُلقي التّحية باحترام وأدعوه للجلوس وشرب القهوة. نجلس أمام فنجانَيْ القهوة السّاخنة على الطاولة. نجلس مُطرِقَين وصامِتين، ومُتَقابلين على الطّاولة، وبيننا يتصاعدُ بُخار القهوة السّاخنة.

يبدأ هو بالكلام مثل كل مرّة. يستمر في الكلام بشكلٍ أبَوِيّ، ويُقدّم كل ما يَملِكه من مَعرفةٍ عن المَضارِّ الاجتماعية والنّفسية والاقتصادية للطّلاق. يَستمرّ في نُصحي ويُشدّد على نَصائحهِ بتلك الجُملة: ” يجب أن تُفكّر كرَجُلٍ ناضج”. ويستَمِرُّ يَحُثُّني على التَعقّل، وأنا أستمرّ أهزّ رأسي مُوافقا على نصائحه. ويُذَكّرُني مثل كل مَرةٍ بأننا في النهاية عائلة واحدة كبيرة قبل كل شيء وبعد كل شيء، وأنني يجب أن لا أفصلَ الدَّم الواحد الذي يجري في عِدَّة أجساد. وأنني يجب أن أفخر بأنني تزوجت بنت عمي.

مَضت نصف ساعة والكلام يكادُ ينتهي، ونحن لم نشرب بَعدُ من القهوة إلا نِصفها. لم يعرف بالتّحديد ماذا كان رأيي النّهائي، ولكنّه يُلقي عليّ تحيّة التّوديع ويضغط على يدِي بتنبيهٍ كبير ويرحل.

ما زلتُ أمدّ يَدِي مُحاولا الوصول إلى سطح الطّاولة العالي. رائحة لَيمونِ الصّيف تَهتزّ في هواء الغرفة القليلةِ الإضاءة. يدي تَلمس بصعوبة صُندوقًا وَرَقِيّا صغيرا على سطح الطّاولة. يدي تَهتزّ وتبتعد عن الصّندوق، وأنا أحاول أن أجعل يدي تتَصلّب وما زلتُ أمدُّها إلى ذلك الصّندوق. أشعرُ برغبةٍ في البكاء ولكنّني لا أبكي، وأمدّ يدي أكثر في الجوّ الضّبابيّ المَليء برائحة اللّيمون والشوكولاتة.

بعد ذلك زارَني زوجُ أختي مرّتين في البيت الخالي. وأنا ما زلت أستقبله وحيدا وما زال يقول نفس الكلام مع تَحويرٍ بسيط. وما زال يُصِرُّ أنّه يجب عليَّ أعمَلَ بنصائحهِ إن كنتُ في كامل اتّزاني ويُشدّدُ على نصائحهِ بتلك الجُملة: ” يجب أن تُفكّر كرَجُلٍ ناضج”. وكنتُ في كلِّ مرّة ألاحِظُ أن مَلامِحنا تتشابه أكثر. كان على وَجهَينا نفسُ الظِّلالِ الخائفةِ والابتِسامة المُنافِقة. وكانت نَصائحُهُ مُقنِعةً جدا بالنّسبة إلي، أو هكذا كان يبدو الأمر بالنّسبة إليّ حين كان يُكلّمني. ولكن في كلِّ مَرّةٍ، مُباشرَةً بعد أن يرحل، تبدو الأشياء مختلفة، ويبدأ عقلي في رفض أفكاره مرة أخرى. وحينَها أجلس مَهمومًا ومُتألِّما من شيء ما في صَدري، ويكون كُلّ جسمي مُتخدّرا إلى حدّ أنني أنام بسرعة. وأرى نَفسَ الحُلُم يَتكرّر.

أحاول بكلّ قُوّتي ان أمُدّ يَدِي باتّجاه سطحِ الطّاولة إلى درجةِ أنني أُحِسُّ بِيَدي تَطول وتَطول أكثر عن طولها الحقيقي. ولكنّ الطاولة ترتفع أعلى كلّما طالت يَدي، والصّندوق مَوضوعٌ في منتصف الطاولة. ورائحةُ الشوكولاتة تَنتشرُ في جَوّ الغرفة وتختلط باللّيمون والصّيف الذي يَخرجُ من الجُدران.

شيءٌ غامِضٌ يجعل سِتارةَ النّافذة تتحرّك قليلا، ويدخلُ خيطٌ نحيلٌ من أشعّة الشمس إلى الغرفة. عِندها تتوقّف الطاولة عن الارتفاع، وتَطول يدي إلى حدّ أنني ألمسُ الصّندوق الوَرَقيّ. أقبضُ على الصّندوق الورقيّ وأسحبُه.

رائحة الشوكولاتة تبدو قويّةً كثيرا الآن. والصّندوقُ الورقيُّ الصّغير في يدي.

أمسِكُ الصندوق وأجلس على أرضيّة الغرفةِ تحت الطّاولة، وأنا على شكلِ ولدٍ صغير. أفتح الصّندوق وأشاهد ما بِداخله وأبكي كثيرا مثل طِفلٍ يكتشف أن لُعبتهُ المُفضّلة مَكسورة.

في الصّندوق ثَمّة قِطعةُ شوكولاتة صغيرة على شكلِ بنتٍ ذات جَديلتينِ وفُستانٍ قصير حتّى الرُّكبتين. ولكنّني أبكي لأنّ البنت الشوكولاتيّة كانت مُقَطَّعةَ الأطرافِ وموضوعةً داخل الصّندوق. كان ثَمّة قِطعٌ مَفصولةٌ داخل الصّندوق. رأسٌ بِجديلتين طويلتين، وجسمٌ، وذِراعانِ، ورِجْلان، كُلُّها كانت مفصولةً وموضوعةً إلى جوار بعضِها بالتَّرتيبِ الصَّحيحِ لِتُخبرنا كيف كان شكلُ البنتِ قبل أن تنفصِلَ أجزاؤها وتُقطَّع.

وجَدتُني أمسكُ بالصندوق الورقيّ المفتوح تحتَ الطاولة وأنا رجلٌ بالغ. المكانُ تحت الطّاولة لا يتَّسعُ لي وأنا أبكي وأشاهدُ قطعة الشوكولاتة على شكلِ بنتٍ تَمَّ فَصلُ أجزائها.

وتَذكَّرتُكِ يا حبيبتي.

وتذكَّرتُكِ في ذلك الصّيف.

وتذكَّرتُكِ في ذلك الصّيفِ الرِّيفيِّ السّاخنِ، وأنتِ تُقادينَ للزّواج من ابن عَمّك. وأنتِ تبكين مثل البناتِ الصّغيرات. كنتِ ما زلتِ تبكين مثل البنات الصّغيرات في ذلك السِّنِّ المُبكّر.

وتَذكّرتُني واقفًا أمام مَدخلِ الحَارَةِ، أبكي غيرَ قادرٍ على فِعلِ شيء. أبكي في ذلكَ السّنّ المُبكّر أيضا. أبكي وأستندُ على جذع شجرةِ ليمونٍ حزينة، ورأسي يُؤلمني وصدري يُوجِعني كثيرا.

وتَذكّرتُني وأنا أبكي وأفكّرُ أنّهُم بالتَّأكيد اضطرّوا لكي يُلبِسوكِ مَلابسَ العُرسِ، إلى أن يَنشِلوا جَديلَتَيكِ الجَميلَتَين، لأنّهما لا تُلائِمان العُرس. وأنَّهُم لن يُقدّموا لك الحلَويّات التي بنكهةِ الشوكولاتة، التي تُحبّينها كثيرا، لأنّها أيضا لا تُلائمُ العُرس.

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون

موقع ويب مدعوم بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑