التَّيس النّحيل

جفل حين رآنا قادمِين. رأيته بقوائمه الأربع يجري بجنون على حافة المنحدر الحاد فوق الصخور الصلدة. يكاد يسقط ثم يتوازن ويستمر في الجري. يركض ورأسه تنطح الريح وخصلات شعره تتطاير حوله.

راقبته حتى توقفت سيارتنا عند حافة المنحدر وكان هو قد وصل إلى هناك أيضا. ترجّلنا من السيارة وكان هو بانتظارنا منتصبا على رجلين، وعلى رأسه عِمامةٌ ملونة تحيط بخصلات شعره الطويلة.

حين رأيت أن زميليَّ يتصرفان بطريقة عادية، لم أخبر أحدا بما كنت أراه قبل قليل واكتفيت بشهقة غير مسموعة. وأكاد أقول ولكنني لست متأكدا، أنه حين صافحته كالآخرين والتقت عيني بعينه كأنه قال شيئا غير مسموع. شيئا ما لا أعرف ما هو!

تظاهرت بأن كل شيء طبيعي وتصرفت مثل زميلي الآخرين حين سلّما عليه كأي رَجُلٍ عادي!

وكان حقا رجلا عاديًّ

ركّزتُ على طريقة زميليّ في النظر إليه والكلام معه. كانا يتصرّفان بشكل طبيعي.

هل رأيت ذلك وحدي؟!

كان طويلا ونحيلا ووجهه أسمرٌ ويابس كما لو أنه يتعرّض للشمس طوال الوقت.

مضى بنا إلى داخل غرفته حيث يقيم؛ إلى غرفة حارسِ مردم النفايات.

أعرف من كلام زميلي في السيارة أنه يعمل هنا حارسا لمردم النفايات منذ ست سنوات.

بينما كان يضيّفنا بفناجين القهوة، نطقت فجأة بسؤال كما لو أنني أحاول أن أكتشف سرا من الأسرار: ” لماذا تعمل هنا منذ ست سنوات ولم تطلب نقلك من هنا بعد كل هذه السنوات؟”

نظر فجأة صوبي بطرف عينيه وشعرت بالتّهديد. أشحت بنظري صوب زميليّ فوجدتهما ينظران إلي بتأنيبٍ كما لو أنني اقترفت ذنبا كبيرا.

كدت أنطق بكلام آخر لكي أخفف حدة التوتر في الجو ولكن الخجل أسكتني وألقيت بنظري إلى الأسفل. أرى أمامي قدميه الآن. الاصبع الكبير والذي إلى جواره خارجان من فتحة نعاله الأمامية بشكل غير مألوف. كانا طويلين كثيرا ويابسين. ابتلعت ريقي ورفعت عيني باتجاهه حين بدأ بالكلام: ” يريحني أن أعمل هنا”

عاد الذهول إليّ، وقبل أن أفكر بماذا يجب أن أجيبه تكلم واحد من زميلي: ” أخي نحن هنا من أجل العمل. وكما تعلم فإننا نأتي إلى هنا مرة في كل عام لفحص المكان وللسؤال بضعة أسئلة وملء بطاقة الاستبيان ثم نمضي. لذا اعذرنا فسوف نبدأ في العمل”.

رأيته يحاول أن يردّ ولكن زميلي الآخر بادر بالكلام عنّي: ” هذا زميل جديد يجيء إلى موقعك هذا لأول مرة لكنه هو أيضا يعمل مفتّشا في البلدية وقد كان يعمل في منطقة أخرى وانتقل إلى منطقتنا حديثا. هذا العمل مألوف لديه أيضا. فلنبدأ العمل إذن”

انتقلنا معه من زاوية إلى أخرى في الموقع. كنت أحاول أن أخفي توتري. شاشة هاتفي البغيضة تظهر الرسالة التي وصلتني الآن وليتها لم تصل. لن أتركهم ينالون مني بهذه السهولة، هؤلاء الـ…

 تركت الرسالة البغيضة وعدت لهذا الكائن.

كانت الشمس تقرص عيني من جهة النافذة المفتوحة بينما زميلاي يتكلمان مع الرّجل التّيس عن الأوراق والاستبيان.

” أليس لديك إجازة أبدا. هل تستطيع أن تخرج من هذا المكان للإجازة أم أنك هنا طوال الأيام والليالي بلا نهاية؟” سألتُه حين فتحت فمي فجأة.

نهشتني يدُ زميلي من كتفي بقوة والتفتُّ لأرى وجهه ممتقعا ونظرته غاضبة ثم قال: ” كلنا نعرف أنه توجد إجازات سنوية ويوجد جدول مناوباتٍ لتبديل الحراس كل أسبوعين. ماذا بك؟”

ارتبكت حقا ولم أعرف كيف خرج ذلك السؤال مني فجأة. اعتذرت وتركتهم يكملون عملهم وسط ذهولي واستغرابي.

لم أنا فقط من رأى ذلك؟!

لماذا يتصرفون معه وكأن كل شيء عادي؟! ما حكاية هذا الرجل؟!

اعتذرت وتركتهم يكملون عملهم.

خرجت إلى الساحة الخارجية واتصلت من الهاتف النقّال إلى مقر عملنا. وسمعتُ هذا :

” والله يا أخي كلامك صحيح. الرجل يرفض أن يخرج في إجازة منذ ثلاث سنوات تقريبا، من يوم الحادث. منذ ثلاث سنوات كان في إجازته السنوية والمسكين فقد زوجته وابنيه الوحيدين في حادث مروري تبيّن أنه هو المُتسبّب فيه. نشفق عليه ولذلك لم نرفع أية تقارير، وفي النهاية فإن الرجل لم يؤذ أحدا ويبدو طبيعيا. أنه لا يخرج في إجازات ويقضي وقته كله هناك. أظن أن زميله في تبديل المناوبة يُفضّل ذلك أيضا!”

لا أحتاج دليلا آخر. هكذا هو الأمر إذن.

أنا لا أشفق على أحد. سوف أكشف كل شيء.

شاشة هاتفي البغيضة تومض برسائل جديدة.

فتحت هاتفي وفكرت أن أردّ على أولئك اللصوص؛ أقاربي. سأرد  برسالة يستحقونها. ولكنني قررت أن أتفرغ لهم فيما بعد. لا أحد يستغفلني أنا، خصوصا إن كان من أقاربي!

يتصرف هذا الكائن بشكل طبيعي مع زميليّ ولكنني أعرفك أيها الوغد. لا تنطلي عليّ حِيلك. أيها الانسان التيس ؟!

أود لو أخنقك الآن. لا بل آخذك إلى حيث أقاربي يجتمعون الآن للتآمر علي وأذبحك أمامهم وهم يشاهدونك ثم أخنقهم جميعا واحدا واحدا، وسأبدأ بأخي.

الحر شديد و رؤية هذا الرجل التيس تستفزني ولا أراني سأحتمل أيا من هذا.

“هيه أنت. ماذا تظننا؟!”

أخذت حصاة من الأرض الساخنة ومضيت إليه.

أيادٍ تشدّني وهو أمامي ينظر بعينين متحجرتين. أوثقوني إلى الأرض هؤلاء الأوباش. عليهم أن يسدّو لساني لكي أسكت عن شتمهم. سوف أشتمهم وأشتم أخي.

الهاتف اللعين يرن وهم يشاهدون الاسم البغيض على الشاشة: أخوي. زميلي الحقير يردّ على المكالمة : ” أهلا. آسف، ولكن أخاك معنا ويبدو أنه عاودته تلك الحالة”.

أخي العزيز ليس أخي. ليس أخي من يقدم أوراقا للمحكمة أنني مجنون. أنا لست مجنونا. لست مجنونا.

يضغطون جسمي على الأرض وأنا أحاول أن أتملّص. جسمي يتسلّل من بين أيديهم وأركض في الأرض المليئة بالحجارة، أركض وأتسلق بسرعة هذا المنحدر الحاد فوق الصخور الصلدة بقوائمي الأربع!

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون

موقع ويب مدعوم بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑