
عندي مشكلة كبيرة
هي أنني لا استطيع بلوغ الأربعين من العُمر.
لا أعني أنني أريد أن أبلغها ولكنني إن كنت الآن في التاسعة والثلاثين فإنه لا بد أن أكون في العام القادم في الأربعين. هذا لم يحدث، فقد وجدت في إحدى الليالي بأن عدّاد الزمن توقف هنا.
بدأ الأمر قبل عام، في أغرب ليلة في حياتي. كنت في التاسعة والثلاثين مُغتربا، مغادرا وطني، مٌهاجرا من بلاد العرب إلى بلاد الانجليز.
أقف هنا في بلاد الأمطار والبرد، وحيدا، أنتظر الأربعين.
طفل وأمه ينتظرانني في بلادي. ينتظران شخصا لن يعود لعائلته.
كنت في منتصف المسافة بين نصفي عمري وفي منتصف المسافة بين بلاد القلب التي ولدت فيها وبلاد العقل التي اخترت أن أذهب إليها.
ويبدو أن الزمن لا يُجاريني.
كان المنطق بسيطا، بعد ثلاثمائة وخمسة وستين يوما سوف أقفز إلى الرقم التالي، أربعين. وهكذا أكون قد أكملت نصف عمري في بلادي وسأكمل النصف الآخر هنا كما خططت سرا مع نفسي.
ولكن هذا لم يحدث. ببساطة فإنه لم يحدث. بدون أي سحر أو شعوذة فإن ذلك لم يحدث.
أعترف بأنني لا اعرف كيف أشرح هذا ولكن الطريقة الأفضل لكي تفهموني هي أن نذهب معا إلى تفاصيل الأحداث.
بدأ الأمر قبل عام في أغرب لية في حياتي. كنت أمشي قبيل المغرب قادما من منزلي الصغير الذي استأجرته ذاهبا إلى مكتبة الجامعة للقراءة وإكمال بحثي. أوشكت أن أنتهي من دراسة الماجستير هنا وأنا في التاسعة والثلاثين. مشيت في الطريق المعتاد. بيوت كثيرة متراصّة. بيوتٌ ذات طابقين ولكنها ضيقة. بيوت طويلة ونحيلة. نحيلةٌ مثل مايكل، صديقي الوحيد من هذه البلاد. أراه يمشي باتجاهي ويبتسم. هو الوحيد في هذه البلاد الذي يكلمني منذ جئت الى هنا والوحيد الذي يرحّب بي. مايكل من أشجع الرجال الذين عرفتهم. هو نقيضي في ذلك. دائما يتكلم بمنتهى الاصرار والقوة. مرةً دخلتُ محلا وهو معي وحاول البائع العنصري أن يضايقني ووجدت مايكل يرفع قبضته أمام الرجل ويهدده ويأمره بأن يمتثل. هذا الرجل يستطيع أن يجبر كل أحد على الصمت والاستماع إليه بل وتنفيذ طلباته.
لكن بسبب ظروفه فإنني نادرا ما أتمكّن من لقائه ونادرا ما يكون إلى جواري في الأماكن التي أحتاجه إليها. في البداية حاولتُ تقليده ولكن ذلك لم يفلح، فقد كانت شخصيّتي بطبيعتها خافتةً وذات نغمة واطئة في الحركة وفي الكلام. أحاول أن اتعلم منه وأن لا اتركه.
قال لي مرة أخرى بأن اتجنب المشاكل الجانبية وأن أركّز على أهدافي وسأصل. يأكد لي بأنني لم أخطيء بترك عائلتي وبالهجرة طالما أن هذا يسعدني. منطقه بسيط ويصل قلبي بسهولة. ودّعني ومضى وعاد المكان موحشا وساكنا. مشيت في الطريق الذي تصطفّ الأشجار الكئيبة على جانبيه. هذه الأشجار يجلدها المطر طوال العام ولكنها تقاوم بما تبقى لديها من لحاء وأغصان نحيلة مبتلّة. مشيت حتى وصلت الى بُحيرة صناعية قرب مدخل الجامعة.
سمعت صوت غراب في الشجرة القريبة، ولفت ذلك انتباهي، لأنني لم أعرف من قبل أنه توجد غربان هنا في الحرمِ الجامعي.
مشيت في اتجاه الصوت بدون أن أرى غرابا. كنت ألتف حول الشجرة وفجأة شعرت بسواد خاطف يعمي عيني ووخز يطعن مؤخرة رأسي.
حين استيقظت وجدت الوقت ليلا. لا أسمع بشرا ولا طيورا. فقط حفيفَ أغصان الشجرة التي فوقي.
نهضت بتثاقل ومشيت قليلا وصرت أمشي متكئا على جدار حوض النافورة. جلست على جدارها الواطيء ورششت قليلا من الماء على وجهي.
بصعوبة بالغة وصلت بيتي مشيا على الأقدام. دخلت من باب الصالة. قبل أن أضيء جميع الأضواء التفت إلى المرآة التي على يمين الباب. في هذا الضوء الشحيح رأيت ذهبا يلمع في المرآة. لم أفهم. يفترض أن صورتي فقط هي ما ينعكس على المرآة الآن. أرى لمعانا ذهبيا داخل المرآة. أشعلت أضواء الصالة وعدت أنظر في المرآة من جديد. بدا لي كما لو أن الذهبي اختفى. ثم حين دقّقت النظر رأيت شيئا ذهبيا حقا. شيئا ضئيلا بالكاد يُرى. صعقني ما رأيت حين دققت النظر. إنها شُعيرة صغيرة ذهبية اللون تنمو في وسط ذقني. نظرت جيدا جدا وتحسست لحيتي القصيرة بيدي. لا يبدو أن ملمسها مختلف عن بقية الشعر ولكنني أراها أمامي الآن ذهبية لامعة وسط بقية الشعر الأسود. هذا الشيء أخافني.
شعرت بقلبي ينقبض وكنت خائفا ولكنني بالتأكيد كنت متعبا أكثر مني خائفا، فطردت جميع الأفكار مؤقتا ورميت نفسي في السرير.
الصباح كان مؤلما. خيوط الشمس أيقظت جسمي ولكنها لم تيقظ روحي. مشيت مثل الميّت أفتش عن قطرة ماء.
أنظر إلى التاريخ في شاشة الهاتف. هل مضى يوم أم يومان؟
رغم أنني متأكد أن يوما كاملا مضى ولكن الأرقام تقول بأنه لم يمض يوم وأنني ما زلت في نفس اليوم. كيف ما زال نفس اليوم وأنا أغمي علي ليلا واستيقظت صباحا؟ّ
على أية حال تركت المسألة لأنني مرهق ومريض وخائف. لا أعرف ماذا حدث لي ولكنني أعرف أنه شيء سيء.
الكثير من الرياح تزأر في الخارج. أحاول أن أجد رقم هاتف الطبيب. يجب أن أزوره اليوم لأنني أشعر بقرب موتي.
أسمع جرس الباب يرنّ ولكنني لا أقوى على المشي إلى باب البيت. الجرس يرنّ وأنا أصارع ضعفي لكي أمشي وأفتحه. سقطت عند باب غرفتي وتوقف الجرس عن الرّنين.
أفتح عيني بصعوبة. يبدو أنني نمت ساعات طويلة للمرة الثانية ولكنني هذه المرة صرت أحسن حالا. نهضت وتذكرت شيئا. مشيت إلى المرآة. إنها هناك ولكنها ليست وحيدة الآن. الشعرة الذهبية في مكانها ولكنني أرى الآن شعرة ذهبية أخرى في الجانب الآخر من لحيتي. أليس يفترض أن تكون بيضاء في وجهٍ عربيّ؟ّ! كيف سأخرج للناس هكذا؟ّ!
أسمع جرس الباب يرنّ ثانيةً ولكنني هذه المرةَ أنا الذي لا أريد أن أفتح. تركته يرن ثم يسكت. حين سكت الجرس سمعت أصوات الناس والسيارات في الخارج مختلطة بصوتٍ لا أسمعه هنا في العادة. هو صوت غراب ثانية ظهر وسط الأصوات ثم اختفى.
بعد قليل قرّرت أن أخرج من البيت وأراقب الناس والشوارع.
أطوف في المدينة وأراقب الوجوه. لا أحد يلتفت إلي. وأنا في تجوالي بالشارع انتبهت أنني من هذه المسافة لن يلاحظ أحد وجهي وتفاصيل لحيتي فتنفست الصعداء ومشيت. دخلتُ محلا تجاريا وحين وقفت لدفع الحساب كان البائع يرمق لحيتي بطرف عينه. أظنني أرى استغرابا على وجهه الآن أو ربما ليس استغرابا، وربما لم يشاهد شيئا أصلا. أفكر بأن الوضع في وجهي مريب وأنني لا يناسبني ما يحدث. أفكر أن العالم مليء بناس لديهم ندبات وعلامات أكثر لفتًا للانتباه من علامتي ولكنني ما زلت قلقا من أن علامتي أنا أكثر لفتا للانتباه، شعرات ذهبية في لحية سوداء!
عدت أمشي في الشوارع. رهبة كبيرة ألقاها الصوت من خلفي وأنا أسمع صوت زميل عربي يناديني. وقفت مضطرا ورائي حين وجدته يركض في اتجاهي ويصرخ ” أين أنت يا زميل. نبحث عنك منذ يومين وأنت لم تخبر أحدا أنك مسافر أو ستغيب عن المحاضرات لأي سبب؟”
تسمّرت مكاني أراقب عينيه هل ستشاهدان ذلك أم لا. يتكلّم وكأن شيئا لم يحدث. حين أصرّ أن أتكلم أنا لأشرح غيابي أطرقت برأسي وقلت ” أنا مريض. مريض جدا بمرض خطير”
لا أعرف لماذا قلت ذلك ولكن هذا ما خطر ببالي. تخلصت منه بادعاء أنني أريد أن اكون وحدي هذه الفترة وأنني سأشرح له ذلك فيما بعد.
نزل مطرٌ كما كل يوم. كنت أسمع في الخارج السيارات تئزُّ محركاتها والماء يطيش وينفر من تحت العجلات المسرعة والمشاة المسرعين. لا أحد يتريّث. كنت أمام المرآة أراقب الشعرات الذهبية وأسمع الأصوات في الخارج. فكرت في العمر مثل هذه السحابة، تتساقط منه الحبّات إلى أن ينفد. والآن عصرت أيامي ولم يتبق سوى الأقل.
ما أحوجني إلى مايكل الآن ولكنني لم أزره ولا مرة في منزله حتى الآن. هو يجيء نادرا إلى الجامعة وبكتفي ببعض المحاضرات ثم يعود إلى عمله في مطعم محلي هنا كما أخبرني.
لم أسأله عن عمره من قبل ولكن لا يبدو لي أنه قريب من الأربعين. لديه نضارة في بشرته وإصرار في عزيمته.
في اليوم التالي ظهرت شعرة ذهبية ثالثة. خفّ من نفسي الرعب. يبدو أنني سوف أعتاد الأمر. حين هممت بالخروج فتحت التاريخ في الهاتف وكان يشير الى نفس اليوم الذي وقعت فيه الحادثة. خرجت مسرعا وركضت الى محل في زاوية الشارع واعطيته الهاتف لاصلاح التاريخ فيه. بعد نصف ساعة عاد العامل وأخبرني انه لم يفهم المشكلة ولكن التاريخ لا يتغير. قررت أن أشتري هاتفا اخر. وأنا أمشي قلت في نفسي سوف أشتري تقويما ورقيا أعلقه في بيتي وهذ يكفي لحل المشكلة.
وضعت التقويم عند باب الصالة لكي أتاكد بنفسي من التاريخ أثناء دخولي وخروجي من البيت.
أتى اليوم التالي ولم يكن تاليا في التقويم الورقي الذي وضعته. كنت قد نزعتُ ورقاتِ التواريخ الماضية منذ الحادثة واليوم أصل الى اليوم الثالث، ولكنني تفاجأت بأن أول ورقة على التقويم هي تاريخ ذلك اليوم.
ضربت الجدار بقبضتي وتألمت. لعنت ذلك اليوم وشعرت بشيء من الوجع. لحسن الحظ سمعت الباب يقرع وسمعت صوت مايكل يناديني. حين أدخلته المنزل تجنبت أن أتكلم عن هذا الموضوع وبينت له أنني مصاب بمشاكل في الدراسة وأطلب نصائحه. كان مايكل يخترق عيني وينفذ الى قلبي ويعرف كل ما يحدث لي بدون ان أتكلم كثيرا وبدون أن يقول لي أنه عرف. عرفت انه فهمني لأن نصائحه كانت تصف حلولا لمشاكلي التي لا يقولها لساني. وعدني أن يتواجد أكثر من اجلي هذه الفترة حتى أستطيع التأقلم مع هذا المكان ومع حياتي الجديدة.
خرجت الى الجامعة للحاق بمحاضرتي. كان المكان كئيبا بالغيوم والمطر الحزين الذي يسقط خفيفا على الناس والاشياء. مشيت في اتجاه المحل الذي يبيع الشّطائرّ الرخيصة. أقف في الطابور وأسمع شكوى العجوز الذي أمامي من الأبناء الذين هجروه. كنت أفكر في ابني الذي هجرته ومتى سيأتي دوره ليهجرني. مرت عشرة أعوام منذ زواجي الفاشل. كثير من النقد وقليل جدا من الود. الناس في بلادي يحبون ان يكون الرجل مسيطرا على كل شيء. كنت أنسى كل شيء، قائمة المشتريات، مواعيد التطعيم، مناسبات العائلة والاصدقاء، وكنت أعمل مع ناس لا يحبونني.
” ماذا تريد يا زميل” انتبهت الى سؤال البائعة وأشرت الى فطيرة الجبن مع الجزر. أظن أن هذه المرأة لمحت شعراتي الذهبية بكثير من الخبث. لم تقل شيئا ولكنني راقبت عينيها تفتشان عن الشعرات الشاذة. خرجت غاضبا يملؤني حقد خفيّ على المتلصصين على خصوصيات الناس والناقدين لكل مظهر وكل فعل. ذكرني هذا بكثيرين حولي، بل ذكرني بكل أحد حولي تقريبا في كل حياتي.
حين خرجت من عندها رميت الفطيرة في أقرب صندوق نفايات. أنا أكره هذا المعجون الغريب بالسكر في طعامهم وأحب الزعتر في طعامي. استعدت دفعة واحدة كرهي لهم ولهذا المكان واللغة وتذكرت نكهة الزعتر والأرز وكل البهارات التي أعرفها. لا أعرف لم في آخر أيامي ادّعيت أمام الجميع في بلادي بأنني أكره الطعام هناك. هل أكره هؤلاء وأحبهم. أم أكره بلادي وأحبها. لم أفهم من عقلي شيئا الآن ولكنني مشيت غاضبا.
انحرفت في اتجاه النافورة التي وجدتها ساكنة الآن ثم راقبت الأشحار والطيور. كنت وحيدا رغم مرور كثير جدا من البشر حولي. لا أسمع غرابا الآن ولكنني أشعر بوجوده في الجوار. مشيت في اتجاه المكتبة وقررت أن أترك المحاضرة وانغمس في الكتابة عن حياتي. ربما أصبح كاتبا عظيما لمجرد أن أكتب عن حياتي المتقلّبة. وأنا أمشي شاهدت الساعة الجدارية الكبيرة تشير إلى التاريخ الذي لا أنساه. هنا أيضا تعرض الساعة تاريخ الحادثة نفسه. انقبضت روحي من هذا الحصار ودخلت الى الحمام وتسمّرت أمام المرآة. أرى شعرات ذهبية أكثر الآن. لا أعرف كم صار عددها ومتى خرجت هذه الشعرات الذهبية الجديدة ولكنها بالتأكيد نافرة وغير مناسبة لوجهي. رفعت الماء بكفي لأغسل وجهي. فركت لحيتي بمزيج من الماء والصابون. صرت أفرك بعصبيّة لعلني أزيل شيئا ما. باغتني أحد الطلاب داخلا الى هذا المكان ونظر إلي باشمئزاز وأنا أنظر إلى صورتي في المرآة بعصبية وأفرك لِحيتي. تركت المكان سريعا وركضت خارجا وأنا أمسح وجهي بكُمِّ قميصي.
ركضت خارجا من مبنى المكتبة عائدا إلى بيتي بسرعة. تركت مباني الجامعة وولجت في النفق الذي يعبر الشارع الرئيسي ويوصلني إلى بيتي. ثم تفاجات حين رأيته هناك. كان واقفا متكئا على الجدار. ظهرهُ إلى الجدار ورأسه مطرق صوب الارض يفكر. كانت رجله اليمنى مَثنيةً تتكيء على الجدار ويداه في جيبه. بدا كما لو أنه ينتظرني ويعرف ما بي. التفتَ إلى يمينه ونظر صوبي حين دخلت النفق. مشينا أنا ومايكل صامتين. فهمت أنه يعاتبني. لم نتكلم ولكننا مشيئا متجاورين وكأننا نعرف إلى أين سنذهب. دخلنا الى المحل الذي يبيع الفطائر الرخيصة وأخذ مايكل كرسيا ورفعه بيديه وبدأ بتكسير المكان بجنون وهستيرية. ثم رفع مايكل يده وأمسك بالبائعة من ياقة قميصها وأخذ يهددها وهي تصرخ. أرى أشخاصا يدخلون والأصوات تعلو وتتداخل. بشر كثيرون يدخلون. موجة عالية من الأصوات والناس والأيدي. أيدٍ كثيرةٌ تسحبني من خلفي وأيدٍ كثيرة تضربني. أرى مرآة على الجدار وأراني. الأيدي تضربني وأنا أفتش عن مايكل ولا أراه. لم أر الشّعرات الذهبية ولم أر مايكل. لم يكن ثمة سواي ولحيتي السوداء ويدي أنا ممسكة بالكرسي وبالبائعة. الآن في هذه المرآة انتبهت كم ملامح مايكل تشبهني. كم ملامح مايكل هي ملامحي! لم يكن ثمة مايكل.

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون