السّاعة

كفكفكفكفكفكف

الخطوات سريعةٌ ولكنها مَعدودة جيدا لقطع جميع درجات السُّلَّم في وقت قصير.

” ضاحي” يَنزلُ من شقَّتِه في الطابق الرابع ويُسرع الخُطى للّحاق بموعد بدأ العمل، يُسرعُ كثيرا لكي يضمن أن يضع اصبعه على جهاز البصمة في مبنى الوزارة تماما قبيل أن يقوم بذلك ثاني شخص يصل بعده.

تسع، عشر، احدى عشر، اثنتا عشر………..

بينما يَهبط من الدَّرَجة الأخيرة في سُلَّمِ البنايةِ، يقوم بِلَفِّ سِوارِ السَّاعَةِ حول مِعصم يده اليسرى بحركة خاطفةٍ، ما زال يحاول أن يربط السَّاعَةَ بسرعة على يده عند السيارة بينما يقوم بإخراج مفتاح السيارة من جيبه.

يُديرُ مفتاح السَّيارة لتشتغل. يَقودها الى الوراء قليلا ثم يسيرُ بها إلى الأمام، بينما يقود السيارة مُبتعدا بضعة أمتار، يَتَحسَّس السَّاعة في مِعصَمه, وفجأةً….

يَعود على عَجَلٍ إلى مكان انطلاقه، يفتح الباب وإذ الساعةُ مَرمِيَّة على وجهها في الأرض. يلتقِطها ويلاحظ تُرابا عليها ثم يُديرها ويكتشف أن غِطاءها الزُّجاجي قد تَهشَّم. فتح الصندوق الصغير داخل سَيّارته ووضع الساعة المُهَشَّمة إلى حينِ وقتٍ مُناسبٍ لإصلاحها.

يقود السيارة مُسرِعا الى الدَّوام ويراقب طوال الطريق ساعة السيارة ويُقلِّب الحادث الذي جرى في رأسه.

“لن استعجل في الاستنتاج. ربما الخُدوش سطحية والساعة سليمة من الداخل. أعني رغم أن عَقارِبها تَوقَّفت عن العمل إلا أن المسألة قد لا تتعدى تَحَرُّك البَطَّارية قليلا وبالتالي إمكان إرجاعها بسهولة والسوق مليء بالمُصَلِّحين. ثَمَّةَ المَحلّات الكُبرى في المُجمَّعات ثم المَحلات بالأسواق وكذلك الأكشاك الصغيرة في السوق…”

ضاحي لديه وَجهٌ شبه مُربَّع، ذو عينين صغيرتين دائريتين كثيرا، تَلمعان مثل زجاجتين في مِنظارِ مُراقبة. أنفه صغير ولديه شفتان دقيقتان. ويبدو لمن يراه بوجهه الأسمر كما لو أن وجهه مُسَطَّح ولا توجد فيه بُروزات.

ما زال ” ضاحي” يُقلّب المسألة في رأسه ويحدث نفسه باستغراق: “حسنا حسنا، سوف أجد المُصَلِّح المناسب ثم تنتهي المشكلة”

ضاحي يربط عِمامَتَه بدقةٍ كبيرة يُلاحظها الجميع. طَبَقةٌ سُفلية رقيقة بدون نقش، فوقها طبقة أوسع قليلا تبدأ فيها النقوش بالظهور، ثم الطبقة الكبرى التي يحرص أن تظهر فيها رسمة الزخرفة واضحة ومُتدَرِّجةً من اليسار الى اليمين. ثمة خمسة ألوان لخمسة أيام عمل. بدا ضاحي سعيدا دائما بامتلاكه لكل هذا الترتيب ومرتاحا دائما لأنه لا يفكر فيما عليه أن يلبس كل يوم.

طوال فترة الدوام في ذلك اليوم بدا ضاحي شارد الذهن. دخل عدة موظفين عدة مرات وكانوا يشاهدون ضاحي في كل مرة واضعا ذقنه على كفه اليسرى ورأسه مائل قليلا الى اليسار وعيناه مركزتان في اتجاه النافذة، بدا في تلك الوضعية تماما مثل عاشق هائم.

خرج ضاحي من العمل في الموعد المحدد تماما، وكان يتلهف للذهاب الى غرفته. لم يتناول طعام الغداء احتجاجا على رَداءة الشَّوارع في البلاد التي ما إن يقع شيء زُجاجيٌّ عليها حتى يَنكسِرَ مُباشرةً.

إنه ليس شخصا عاديا فيما يتعلق بدقة المواعيد والعلاقة بالوقت. ضاحي يشعر بفخر كبير وهو يسمع تعليقات الجميع تتحدث عن دقته في الحضور والانصراف ويتخيل جائزة نوبل في دقة الحضور الى العمل تسلم إليه يوما ما.

في المساء نزل الى السوق وساعته المُهشَّمةُ في جيبه. يَحكُّ باستمرارٍ جِلدَ ساعده الأيسر مثل الأجرب.

الدُّكّان الأول الذي قصده عند زاوية الشارع مُغلَق. إنه يَركُلُ بابَ الدكان بقدمه ويلعن ويشتم ويتحدث مع نفسه عن خُطورة أن يمشي الرَّجلُ بدون وعيٍ كافٍ بأوقات اليوم ومواعيد العمل والأكل والصلاة والنوم والاستيقاظ.

يمشي مُسرعا الى الدكان الثاني وبدون سلام يلقي الى البائع بساعته الغالية ولا يتفاوض على سعرِ أيِّ شيءٍ، ويخرج من المَحلِّ سعيدا بعد إصلاح زُجاج السَّاعة وعودتها الى العمل ” بدقة”

إنه ينام مُبكِّرا هذا المساء قبل موعده المُعتاد بثلاث ساعات. إنه يشتهي أن يَعبُرَ الليل بسرعة ويستيقظ في الموعد المناسب ويدخل الى مقر العمل في الموعد المناسب، وأشياء كثيرة ستحدث له ” في الموعد المناسب”.

إنَّه الصَّباح. ضاحي يَشعر بتَخدُّرٍ غريب وهو يُزيح اللّحاف عنه ويَلتقِط السّاعة ويُدقّقُ في موعد استيقاظه. يفتح عينيه ويُذهل مما يَرى. إن الساعة مُتوقفة تماما. يقفز من السرير وساعته في يده يَهزُّها بقوة ويصرخ في وجهها ويُكلِّمها بشكل حازم أن تعمل. مضت بضع دقائق وهو يُكلم الساعة بأسلوبٍ عنيفٍ مرة وبأسلوبِ استعطافٍ مرة أخرى.

يختصِر الوقتَ ويرتدي مَلابس العمل على عجلٍ ويمضي مُسرعا الى العمل.

بعد نهاية يوم عمل ثقيل عليه يخرج وهو مهموم وكتفه مَحنية من السُّخريات الثقيلة التي ألقيت عليه هذا اليوم، ومن النِّكات التي اخترعت لكي تناسب قصّة تأخّر ضاحي لأول مرة في حياته.

إنه يشعر برغبة كبيرة في تهشيم وجه مُصلح السّاعات ذاك. يصل الى غرفته ويستلقي على السرير ويضع ساعته الى جواره.

لم يعرف كيف غفى فجأة وسط قلقه ولكنه يستيقظ الآن بتثاقلٍ ويبدو أنه يختنق كما لو أن الغرفة تَضَيَّقت إلى حَدٍّ غير معقول. كما أنه يُحسُّ بأشياء حادّةٍ تحت ظَهره. يفتح عينيه ويحاول الجلوس ولكن رأسه يرتطم بزجاجٍ غريب. يرفع يده ويلمس الزجاج الذي فوقه. يضغط بكلتا يديه على الزجاج. فوقه زجاج وتحته قضبان معدنية. ثلاثة قضبان بالتحديد.

يتحرك بصعوبة في كل الاتجاهات ولا يصدق ما يحدث ولكن المسألة تبدو حقيقية. إنه محبوسٌ داخل ساعَتِه. غرفةٌ دائريّة ضيقة. كما أن القضبان الثلاثة تحكُّ ظَهره وهي تتحرك. ينسى مسألة أنه عالق داخل ” ساعته” ويحاول التعرف على الوقت وكم هي الساعة الآن. ولكن عبثا يحاول. إنه لا يستطيع معرفة الوقت الذي تشير إليه عقارب الساعة وهو في هذه المسافة القريبة جدا من الساعة.

أخذ يحاول أن يكسر زجاج الساعة ليخرج ولكن حركة عقارب الساعة لا تترك له مجالا. إن كل عقرب يضربه بعنف ويسلمه إلى عقرب اخر. حتى أنه يبدو كما لو أن كل العقارب الآن تدور بسرعة ولا يُهمها تضبيط الوقت بقدر ما يهمها ان تأذيه. يُحِس بأن مَلابسه تَمزّقت من ناحيةٍ ما، ويشعر بألم في تلك النّاحية. يحاول أن يُقاوم ولكن حركةَ العَقارب تزدادُ حِدّة. بُقعة حمراء من دمه تنتشر على أرضيّة الساعة. عقرب يلطمه على وجهه الآن وتتكسَّر أسنانه وينفجر الدم في كل اتجاه. حركة العقارب تزداد ويبدو الوضع كما لو أنه داخل غسالة ملابس تتلاطم شفراتها الحادّة. العقارب حادة جدا وهو يحاول المقاومة ولكنه سابِح الآن في بركة من دمه. يحاول المُقاومة ولكن العقارب الحادّة تزيد من حركتها، تزيد إلى درجة أن ذراعه اليمنى انبترت. دمه ينفر من جسمه ويقطر من ثيابه وما زالت العقارب القاطعة تتحرك وتُقَطّعُه. وهو الآن لا يملك إلا أن يستسلم ويُراقب أطرافه تتقطع وتتقطع وما زال يحاول ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا وهو يتقطَّع ويتقطَّع …..

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون

موقع ويب مدعوم بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑