
الثّغاء في مقابلة الكلام
من ناحية ما فإن لدينا كعرب عقدة دائمة من النقد الموجع، ومن ناحية أخرى فإن بعض النقد الذي تنتجه جهات خارجية هو أعمالٌ موجّهة وتسطيحية تشوّه صورة الثقافة العربية. أتفق مع الصورتين، ولكن كيف يمكن أن نرى هذا الفيلم الهندي من منظور مناسب؟!
أعتقد أن العنصر الأساسي في نقد أي عمل سينمائي يجب أن يكون النقد الفني الذي يتضمن كل شيء ومنه الإسقاطات الثقافية أو السياسية للعمل الفني.
أولا فإنه من منظور فني أعتقد بأن فيلم The Goat Life قدم معالجة إنسانية جيدة من ناحية الكاركتر أو الشخصية موضوع القصة ولكنه لم يوفق في إدارة الحبكة. أنطلقُ هنا من مقولة أرسطو في نقد الدراما وهي أن الدراما هي شخصية + حبكة. رغم أن الممثل الرئيسي أجاد الأداء، والمشاهد الفردية لمعاناته قدمت ذلك بأسلوب جميل لكن الحبكة القصصية كانت ضعيفة وهنا يكمن الرأي السياسي في هذا الفيلم. فالفيلم يبتعد عن تقديمه لمعاناة فرد في المجتمع الانساني عبر حبكة معقدة تجعل الأفكار تتصادم، ويقترب من تقديم صورة أحادية النغمة يصير فيها الآخر موضوعا في قالب سلبي ليس فيه تحاور أو محاولة لاكتشافه. إن الآخر العربي هو شرير وليس له حياة خاصة خارج صورة المعذِّب أو المعتدي. الفيلم بطيء جدًا ومتمحور حول فرد واحد إلى درجة الرتابة. التركيز على الصراع الداخلي للبطل والطبيعة المتكررة لحياته اليومية في الصحراء قد يُرى على أنه تمطيط لحدثٍ واحد، مع وجود فترات صمت درامي طويلة في الفيلم تفتقر إلى التقدم السردي المهم وتفتقد تفعيل القصة عبر عدة حبكات فرعية تغيّر من نمط السّرد. كان يمكن للفيلم أن يقدّم سردًا أكثر ديناميكية مع تطورات درامية تخدم فكرة الفيلم.
الأسلوب البصري للفيلم، رغم أنه نجح في تمثيل قسوة الصحراء، فإنه قاتم بشكل مفرط وغير متنوع. العرض المستمر لمشهد البيداء القاحلة والأرض اليباب، جعله ذا نغمة واحدة لا تستفيد بشكل كامل من إمكانيات السرد السينمائي في فضاء بصري متنوع. صحيح أنه نجح في عقد مقارنة بين الماء والصحراء عبر مشاهد ذكريات البطل عن بلاده، ولكنه أبقى على الأرض العربية كمكافيء بصري للجفاف والموت بلا ملامح متنوعة. وبهذا فإنه قد سقط في التنميط البصري والذي يستتبعه تنميط ثقافي. ربما لو كان هناك مشاهد أكثر للحوارات في البادية العربية والانتقال بين خارج الخيمة وداخلها كان سيوفق في إثراء العمل ولكنه أبقى على نمط بصري واحد عبر تركيز المَشاهد على العذاب بدل الحوار مع التجربة الانسانية في وضع كهذا.
الحوار المبسّط جدا والاعتماد الكبير على الأداء البدني للممثل الرئيسي قلّل من قدرة الفيلم الفنية على التنويع وعلى عرض التصادم بين الأفكار التي في عقل الشخصية الرئيسية وبين الشخصيات الأخرى في الواقع من حوله. أعتقد بأن الاقتصاد الكبير في الحوار واللحظات الصامتة لا تنقل بفعالية كافية عمقَ الحالة النفسية والعاطفية للشخصية الرئيسية في الفيلم “نجيب محمد”، وأعتقد أن هذا أقرب إلى استجداء التعاطف من الجمهور كما يقول النقّاد الفنيّون عن الميلودراما الشائعة في بعض الأعمال الشعبية . اعتمد الفيلم بشكل مفرط على قدرة الممثل في التعبير عن المشاعر من خلال الحركات الجسدية، مما جعل الفيلم يبدو مُسطَّحًا ويعاني من نقص في تنوع المشاعر الانسانية. ومن هذا المنطلق حرم الفيلم نفسه من إمكانيات فنية وفكرية كبيرة عبر صنع حوارات أعمق بين الشخصية الرئيسية والمحيطين بها.
سياسيًا، أعتقد أن الفيلم غرق في تعبير أحادي البعد عن الثقافة العربية وانزوى إلى تصوير العربي بالصورة النمطية التي تشابه ما تنتجه هوليوود في كثير من الأحيان. هذا التصوير يُعزّزُ التحيزات الثقافية ضد العربيّ ويمكن تفسيره على أنه تقليل من إنسانية “الآخر”. إنه يجعل العالم العربي ككيان أحادي خالٍ من التعاطف أو التعقيد النفسي والثقافي على عكس ما هو واقع في أي مجتمع انساني. وهو بذلك يتجاهل تعقيدات وتنوع شعوب وتقاليد المنطقة لصالح رواية الاستغلال والقسوة ذات البعد الأحادي. يمكن أن يُنظر إلى مثل هذا التصوير على أنه يعزز الصور النمطية الاستشراقية، حيث يُصور الشرق على أنه بربري وغير متحضر في مقابل البطل الضحية الذي يتمتع بتفوق أخلاقي.
أعتقد أن الفيلم يفشل في تقديم رؤية دقيقة للديناميكيات الاجتماعية والسياسية في منطقة الخليج. بدلًا من استكشاف تعقيدات علاقة صاحب العمل والعامل في مجتمع آخذٍ في التحوّل بفعل اكتشاف النفط، والتي قد تؤدي إلى مثل هذا الاستغلال، فإن الفيلم يكتفي بنظرة أحادية تشيطن الشخصيات العربية بتسطيح كبير ودون تقديم فهم أعمق لدوافعهم أو ظروفهم. ربما يمكننا أن نقول إنه لا يمكن قبول أية دوافع لمثل هذه المعاملة اللاإنسانية، ولكن الفن الحقيقي يذهب دائما إلى اكتشاف ما هو غير مقبولٍ وما هو مضاد للسائد وهذا هو ما يجعل أية قضية إنسانية تتوهّج أكثر وتتعاظم في عقل المتلقّي. أعتقد أن الفيلم أضاع فرصة جيدة للنّقاش الثقافي والاجتماعي والانخراط في نقد بنّاء أكثر جدوى للهياكل الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في استغلال العمال المهاجرين. السّرد قدّم تبسيطا ميلودراميا لقضية هي في الحقيقة أكثر تعقيدا من هذا.
رغم أن من حق كل أحد أن ينتقد أي مجتمع ولكن ناقدا إنسانيا سيكون أجمل وأعمق من ناقدٍ تجاري!
مقال للكاتب عبدالله خليفة عبدالله
من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون