الصّفقة الأخيرة

الفُقَّاعات البيضاء تنتفخ وتتكاثر وتنزاح في مختلف الاتجاهات بينما ينزل عليها الماء ويجرفها إلى فتحة القاع.

كان رَجلٌ ثَلاثينيٌّ مُستغرقًا في العنايةِ بنظافته الشّخصية وهو على وشك أن يستأنف يومَ عملٍ جديد.

يذهب بِسيّارته إلى عمله بنفس المَسار في صبيحة يومٍ مُعتاد. حين يدخل إلى مَقرِّ العمل يمشي مُسرعا صوب مكتبه متبادلا تحيّات صباحية مُعتادة ويتجَنَّب المُصافحاتِ قدرَ الإمكان.

يقترب من باب المكتب. يتوقف لبُرهةٍ أمام الباب. ينظر بتركيز كبير إلى مقبض الباب ويُراقب لَمعانه بتدقيقٍ بالغ.

حسنا، سوف أدقّقُ النظر في هذه الزاوية أيضا. هذا العامل قد يهمل عمله في يومٍ ما رغم العطاء السَّخي الذي أقدمه له لكي يزيد تنظيف التفاصيل القريبة مني. يجب أن أتأكد من أدائه في تنظيفِ كل شيء هنا: مقبض الباب، ومسند الكرسي، وسطح الطاولة، ومقابض دولاب الملفّات، ولوحة مفاتيح الكومبيوتر، ومقابض أدراج المكتب، والملفّات، وعُلبة الأقلام، وعُلبَ الدّبابيس، وجهاز هاتف المكتب، والآلة الحاسبة، وصندوق القفّازات في الدُّرج الثالث.

يُديرُ المِقبض اللامع جيدا، ويدخل إلى مكتبه ذي الواجهة الزّجاجية ويجلس على كرسيّه النظيف. يبدو المشهد الذي أمامه واضحا عبر الجدران الزّجاجية التي تشكّلُ غرفة مكتبهِ وسط القاعة الكبيرة التي اصطفّت فيها مكاتب الموظّفين في خطوطٍ مُنَظَّمةٍ جيدا. إنه يستطيع من هنا مُراقبة جميع الموظفين وهم يتنقّلون من مكتبٍ لآخر. ويُراقبهم وهم يستقبلون الزّبائن، وهم يتناولون المشروبات والوجبات الخفيفة، وهم يتمازحون أو يتعاركون. كانت جميع الحركات المُمكنة الحدوث لا تحدث إلا أمامه. كان يجلس كل يوم في مكتبه الزّجاجي الشفّاف الذي يتموضعُ في مُنتصف صالةِ البنك رائيًا كلَّ شيء كمدير فرع بنكٍ بارع. لم يكن يدهشه شيء لأنه برأيه لا يحدث إلا المعتاد. كانت رَدّاتُ فعلِ كلِّ مُوظفٍ من مُوظَّفيه بشأن أي موضوعٍ مُعروفةً جيدا بالنسبة إليه. كذلك كان يُمكنه قراءة شخصية كل زبون جديدٍ يَفِدُ إليه بسرعةٍ كبيرة وكان هذا يُمكّنه من التفاوضِ وإنهاءِ المُعاملة لمصلحته بنجاحٍ كبير. لم تكن تَعوزه دِقّة الملاحظة أبدا. كان يَشعرُ في قرارةِ نفسه بأنه يمتلك في عينيه عدساتٍ إضافية تُمكّنه من تكبير جميع المشاهد لمُراقبة أدقِّ التّفاصيل. كان يُمكنه إدارةُ حوارٍ طويل مع أي زبون أو موظف عن تفاصيل مالية أو إدارية بدون أن يتنازل عن وضعِ المُراقب والمُدقّقِ في المظهر الخارجي للأشياء. وكان يمكنه أن يكشف عن جميع البُقعِ واللّطخاتِ على قطع الملابس أو الأغراض الشّخصية مهما صغرت تلك البقع. يستطيع الآن أن يستقبل هذا الزّائر الجديد بكل اقتدارٍ وتَحكُّم.

ابتسامته العريضة ونظرته الوديعة وهيئته الرّصينة التي تراها الآن من خلف الحائط الزّجاجي لمكتبك لن تكفي لكسر طبقة الرّيبة الاحترازيّة التي تحيط بك. عليه أن يملك موضوعا يستحق الاهتمام لكي يسمح لنفسه بوضع آثار يده وأصابعه على مقبض بابك الآن. بينما تقف مبتسما له وتطلق عبارات التّرحيب المعتادِ، لا تفقد قدرتك على تركيز نظرك في التفاصيل في نفس الوقت.

لباسه نظيف، هذا جيد. لحيته مُشذّبةٌ جيدا، هذا جيد. نعاله الجلدية تلمع، هذا جيد. لكن لا شيء يكتمل في هذا العالم. ها هي وساختك الغامضة تظهر لي. أستطيع أن ألاحظ اهتراء وتطاير الجلد من طرف حقيبتك الجلدية السوداء التي سمحت لنفسك الآن أن تضعها على طاولة الضّيافة أمام الكرسي الذي جلست عليه.

يتناقشان طوال الجلسة عن صفقة جديدة للبنك، وتسهيل فتح حساب، وتحويلات مالية، وإيداع مبلغ تأمين لعقد الشركة. أدار معه الحوار بطريقة تجارية ناجحة وبدون أن يفقد خصائص المراقِب المُسيطر على المشهد، والمُستعدِّ دائما لأية عُدوانية قد تظهر وقد لا تظهر مباشرة. توادعا بابتسامةٍ تجارية ناجحة على أمل أن تحدث الأشياء كما اتفقا عليها.

وهو يُشاهده يدير له ظهره خارجًا، يُركِّزُ نظره على كفّه وهي تمسك بالمقبض الدّاخلي للباب وتُديره. ويُراقب المكان الذي وضع عليه الحقيبة المُهترئة من الطّرف. يراقب الآثار السّائلة التي تركها حول كوب الشاي الذي شربه ووضعه على مكتبه. يجلب عامل النظافة بسرعة لكي يعيد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل.

بعد يومِ عملٍ دقيقٍ ينتهي كل شيء. لقد تحكّم في الأشياء كما لو أنه قائدٌ عظيم. راقب العُمال الأجانب وهم يتوافدون على البنك ويصطفّون بانكسارٍ لتحويل رواتبهم أو لمجرّد الاستفسار عن سعر العملة. وراقبَ أيضا المواطنين الفقراء وهم يدخلون بتخاذلٍ لسحب المعونة الشهرية. كل هذه الحشود البائسة من المحتاجين يقعون تحت نظره كل يوم. يشفق عليهم جميعا ويشعر بأنهم يحتاجون إلى مساعدته.

يركب سيارته وهو ممتلئٌ بشعور الشجاعة والقدرة على الإقدام والتحدي. يمسك بمقود السيارة كما لو أنه فارس يوجه فرسه الأصيل. يُراقب الشوارع الممتلئة ببقايا المحارم الورقيّة التي تتطاير في كل مكان. يفكر أنه لا بد أن يفعل شيئا لإنقاذ العالم من هذه الأوساخ التي يغرق فيها باستمرار. كل هذه الشجاعة ستُمكّنه من صنع شيء عظيم، لكنه لم يحدد بعد ما الذي سيفعله. ولكنه يشعر بأنه على وشك القيام بشيء عظيم سيغيّر العالم وينقذه من الانقراض تحت ركام الأوساخ البشرية.

هذه البنايات الوقحة تقف أمامي مُتحدِّيةً إرادتي بكل كائناتها الكئيبة في الداخل. حشودٌ من البشر الغارقين في قناعاتهم المُشينة بشأن كل شيء. هذه النّوافذ اللامعة مثل سُيوفٍ مُشهرةٍ في وجهي لا تُخيفني. كل هذه الأسلحة اللامعة ستنهار دفعة واحدة أمام قوتي الكامنة في الأفكار الدّقيقة والاقتراحات الثّورية التي ستُغير العالم. 

ها أنت تخترق الشوارع وعيونك تبحث في كل مكان عن المحارم الورقية المُتطايرة أو عن براميل القمامة المكشوفة. ماذا ستفعل وأنت جزء من هذا العالم الذي يفيض بفضلاته الصناعية في كل مكان. ما زلتَ تَتَلفّتُ بعصبيّةٍ وأنت تقود سيارتك بتشنّجٍ كما لو أنها فَرسٌ حقا.

يوقف السيّارة أمام البناية ويغمض عينيه قليلا لأن شعورا كبيرا بالتعب أصابه حين توقف، أو بالأحرى الآن انتبه إلى التعب الشديد الذي أصابه من طول التركيز في الطريق. يدخل الشقّة وعينه على نافذة الصّالة المُحكمة الإغلاق.

ما زال يُفضّل أن يعتني بنظافته الشخصية بنفسه ولا يزال يؤمن أنه ليس بحاجة إلى عائلة يُعلّمها اصول النظافة والطّهارة.

يفكّر أنه عليه الآن في هذه اللحظة أن يغتسل بسرعة من كل ما علق بجسمه ويديه من آثارٍ واضحة أو غير واضحة

يجب أن يتخلَّل الماء بين الأصابع لأن الميكروبات الدقيقة تبحث عن مخابئ لها في كل زاوية من اليدين. سوف أدعكها جيدا، فالصّابون هو سلاحي الوحيد ضد هذا القاتل غير المرئي. ما أزال مُتفوّقا بجدارة في هذه المعركة الطويلة ضد القَتَلة غير المرئيين.

الصَّابون. إنه أيضا عَدوّي بعد أن يفرغ من قتل أعدائي الآخرين. إنه أيضا يترك تلك النّكهة البغيضة في اليدين التي تعلقُ بي وتلاحقني إلى صحنِ طعامي. إنه طبقة غير مرئية تحيط باليدين. عليَّ أن أنفق كميةً أكبر من الماء لإزالته. يجب أن أتأكّد من أن اللُّزوجة قد انعدمت من بَشرةِ يَدَيَّ وأن الطَّعمَ قد زال، وبأنَّ الرّائحة الصِّناعيّةَ ليس لها أثَرٌ باقٍ في يَدَيَّ. وعَليَّ أيضا أن أختار زاوية جيدة من الفوطة لا تكون بها عوالق من استخداماتٍ سابقةٍ حين أنشّفُ يدي. يجب أن أفرك الفوطة على يَديَّ بِحذرٍ لكي أتحسَّسَ أيَّ مَلمسٍ غير طبيعي على الخيوط القُطنيّة. تلك الشُّعيرات الخارجة من جسم الفوطة يمكن أن تَتخلَّلَ بينها عَوالق مُتنوّعة: بقايا ميكروبات، آثارُ صابون، لزوجةُ العَرق، الأترِبة. أشياء كثيرة يمكن أن تكون بين الخيوط القُطنية التي سأتركها تتحرك بين يَدَيَّ بِبُطء بينما اُركّزُ تفكيري على الزَّوايا المُحتملةُ لاختباءِ الميكروبات والبكتيريا والجراثيم.

في الصباح التالي يستأنف يوم عمل جديد بتركيز كبير وسيطرة عالية على كل شيء. ويقود سيّارته مُنطلقًا بكل جرأة في الشوارع والساحات باتجاه مبنى البنك.

هؤلاء البشر المُرعبون ما زالوا يبصقون في الشوارع  بدون خجل، ويرمون المحارم الورقية المُستعملة في الأماكن العامة، ويتركون كيس القمامة خارج الحاوية دائما. إلى متى هذه المشاهد التي تستفزّني؟

يجب أن أفعل شيئا. هذه المحارم الورقية القذرة تتطاير أمام وجهي مثل قذائف قاتلة. علي أن أجابهها بكل حزم. هذه الدرع الفولاذية غير المرئية التي أحملها لن تستطيع أن تخترقها. سوف أمزق هذه الأسهم البيضاء المنطلقة في اتجاهي. لن يخيفني هذا الأداء الضعيف لأعدائي.

هؤلاء القابعون خلف المكاتب النظيفة لا يستطيعون أن ينظفوا أماكنهم بأنفسهم حين يستدعي الأمر ذلك. كل هؤلاء الواقعين تحت نظري الثاقب كلَّ يومٍ لا يستطيعون التحدُّث بالدِّقّة التي أحتاجها. لا يُقدِّمون عملا واحدا مُكتمِلا. لم يقدِّموا تقريرا واحدا لم أجد فيه حاجة إلى التغيير. تلك الدِّقّةُ والانضباط اللتان يُمثّلان شخصيّتي لا يتكرّران أبدا في الآخرين. هم يَدَّعون بأنه يصعب إرضائي. ربّما يدَّعون أنني أخترعُ زَلّاتهم. رغم أنني أقرأ هذا في عيونهم لكنه لا يُهمّني. الصّوابُ والدِّقة هما صديقاي الوحيدان.

هبط من سَيّارته وبدأ يمشي بهدوءٍ كمديرٍ رصينٍ وحازمٍ ومُسيطر على المال والبشر. في تلك اللحظة بدا كل شيء أمامه بطئَ الحركةِ لدرجةِ أنه كان يمكنه عَدُّ خطواتِ الناس الذين يمشون إلى جواره في ساحة المواقف. كان يعدُّ أيضا نبضات قلبه وحركات تنفسه التي صارت بطيئة بينما يمشي مُقتربا من المبنى. الآخرون يمشون إلى جواره تُغلِّفهم طبقة من الكسل والخمول والبلادة. خطواتهم البطيئة إلى حدِّ الملل كانت عشوائيّةً وهم يسيرون في اتجاهات مختلفة. يراهم واجمين ومهمومين بلا إرادة يعبرون وسط حشود اللوحات الدعائية التي امتلأ بها المكان، تَحفّهم صُوَرُ النّاجحين المُبتسمين الذين تلتصق صورهم بالمخيّلة وهم يتكرّرون كل يوم في لوحات الإعلانات التجارية في الأماكن العامة. كما لو أن هذه الصُوَر والعبارات الرنّانة جزء من الأشجار والعشب والنوافير والمجسّمات التي تُشكّل ملامح الشوارع.  ينفتح الباب الأوتوماتيكيُّ ويدخل في كتلةٍ باردةٍ من الجو الذي تنتظم فيه مكاتب الموظفين في صفوف طويلة بينها حواجز قصيرة تحجبُ وتكشف في نفس الوقت. يشاهد في الفضاء البارد والمعزول عن الخارج، إشاراتِ الأيدي تُرافق الابتسامات المُتكرّرة والكلمات المتكررة، ويرى انكماشات الشفتين واتساعاتها وانغلاقات الأعين وانفتاحاتها كاستجاباتٍ مُتكرّرةٍ لأحداثٍ مُتكرّرة. كل هذا كان يراه يسير ببطء شديد تحت المصابيح المضيئة فوقهم والتي جعلت المشهد أشبه بالحلم في مُخيّلته. يُلقي التّحية المعتادة على مُوظّفيه ويدخل مكتبه بسرعةٍ، ويُدقّق النظر في المواد والأدوات النّظيفة التي ستحيط بكرسيه الوثير.

ها أنت تُقلّب عينيك أمام كل زبون تُقابله. هل تظنُّ بأنَّ الناس لا يُلاحظون عينك المُتربّصة بهم طوال الوقت؟

عينكَ التي تُقلّبها بين الملابس والشَّعر وملامح الوجه وعلى أيدي ضيوفك وهم يُصافحونك أو وهُم يضعونها على رُكبِهم أثناء الجلوس، وعلى أيديهم وهم يُحرِّكونها في الهواء أثناء حديثهم معك. يُلاحظون كيف تَتملَّصُ من ضغطةِ أيديهم على يدك أثناء لحظةِ المصافحة بأسرع ما تستطيع وتحاول أن تُواصل حديثك كما لو أنه لم يحدث شيء. ربّما لا يُهمُّهم ذلك طالما أنت تُؤدي لهم المطلوب من عملك.

بعد عدة أعمال معتادة، يدخل إليه زائر البارحة ذو الحقيبة السوداء المُهترئة من الطّرف. بادَرهُ بالكلام عن استعداده للمضيِّ في الاجراءات الإدارية المُتعلّقة بما اتّفقا عليه في المرة الماضية لكي يقوم البنك بتوفير التّمويل له لإنشاء شركةٍ دوليّةٍ كبيرةٍ متخصّصةٍ في خدمات النظافة للمرافق العامة والمؤسسات بمختلف أنواعها. ولكن الزائر رفع حاجبيه مُستغربا وفتح عينيه مَدهوشًا. وأوضح له أنهما اتفقا على شيءٍ آخر وأنه لم يتكلم أبدا عن اية شركة نظافة، وإنّما كلّمه عن رغبته في التمويل لتوسيع أعمال شركته المُتخصصة في المقاولات والإنشاءات لأنه بصدد استلام عقود عمل جديدة ومُناقصات جديدة وسيحتاج هذا التمويل لشراء مزيد من المعدات والمواد ولجلب مزيد من الايدي العاملة والمهندسين. بعد هذا الشّرح المُسهب والواضحِ تَلعثم مُدير البنك كثيرا وبرَّرَ موقفه بأنه ربما خلط بينه وبين زبون آخر.

كيف تسمح لنفسك باتِّهامي أنا بالخلط بين الأشخاص وبضعف التَّركيز؟ لن أصدّق كلماتك أو أوراقك التي أخرجتها من حقيبتك المُهترئة. سوف أصدِّق عقلي الجبّار فقط. إن لم ترغب في إكمال خُطّتنا، فأنا على استعداد لإكمالها مع شخصٍ آخر يستحقُّ شَراكتي ويستحقُّ أن يحمل معي لواء المعركة القادمة.

أنا أراكَ بوضوحٍ كبير. أستطيع أن ألاحظ هذين الخيطين القصيرين النّافرينِ من مُقدّمةِ عِمامتكَ والمُتدلّيينِ على طيّاتها. وألاحظ جيدا ذلك التَّقشُّر في طرفِ الفُصِّ الأحمر الذي يتوسَّطُ الخاتم الذي تضعه في إصبعك. ثوبُ دشداشتك ما زال نظيفا أمام عينَيَّ ولكنني سأبحث عن لطخاتٍ غامضةٍ في الزاوية اليُمنى، اليسرى، الاعلى، الأسفل. ماذا فعلتَ وأنت تتكلّم الآن أمامي؟ لقد رأيته. لُعابٌ خفيفٌ طار من فَمكَ عند تلك الجملة التي حاولت أن تنطقها بسرعة. هذا وحده كافٍ لكي يُلغي نظافة مظهرك لهذا اليوم. أنت تُلطّخ مكتبي يا هذا. أنا أعلنكَ مصدر جراثيم غير مرئية.

تركه يخرج بدون توديعٍ وتراجع بسرعة إلى كرسيّه وهو مُتوتّر وأنفاسه تتلاحق بسرعة وعيناه جاحظتان في وضع استغرابٍ وتَشتُّتٍ ذهني كبير.

ها أنت تنقرُ على الطاولة بأطراف أصابعك داخلَ مُربّعِكَ الشَّفّاف بينما تشاهد موظّفيكَ يخرجون من المبنى في نهايةِ يومِ عملٍ طويل تَجنَّبوا فيه الحديث إليك وتركوه مثلك يمضي بدون توضيحات. من المَسافةِ بينك وبينهم لا تبدو تقطيبة حاجبيكَ واختلاجاتُ وجهك واضحةً لهم ولكنّهم بالتأكيد يستطيعون مُلاحظةَ انحناءتك على الطاولة ونقرك المُتواصل عليها. هل ما زلت تريد أن تُقنعنا بأنك أحدُ الأبطالِ الصّامدين في وجه الأقدار الصّعبةِ في هذا العالم؟

بعد أن شعرَ بأنَّ المكان قد سَكنَ تماما من الحركة وغادره جميع موظفيه وعُمالُ نظافتهِ، رفع رأسه وشاهد الجمادات المُتنوّعة في المكانِ واقعةً كلّها تحت الظّلالِ حولَ مكتبه الزّجاجيِّ الذي كانَ مُضاء وحده وسط العتمة. بدا كما لو أنه داخل مصباحٍ زجاجيٍّ مُربّعٍ مضاءٍ وسط الظلام المُنتشِر. نهض وتوجّه نحو الخارج بخطواتٍ ذاتِ وقعٍ مُنتظم.

أيّتها الطّرق الرّصاصيَّة التي تمتدُّ أمامي مثل خنادق طويلةٍ في أرض المعركة، سوف أقطعك وحيدا بكل شجاعةٍ وحزم. هذه الإشارات الحمراء تحاول أن تلتهمني بسرعةٍ خاطفةٍ ولكنني ما أزال مُسيطرا ولا أترك لأعدائي فرصةً لِمُباغتتي من أيّةِ زاوية. أستطيع المُراقبةَ والتَّدقيق بألفِ عينٍ وعين.

يتوقّفُ عند إشارة المرور الأخيرة قبل مسكنه. وحين يلتفت إلى يساره، يُشاهدُ الزّائرَ ذا الحقيبة المُهترئةِ من الطّرفِ واقفا بسيّارته إلى جواره ينتظرُ أن تفتح الإشارة. يضغطُ بقوّةٍ على مقودِ سيّارته ويحاول أن لا يُظهر اي انفعالٍ خارجي. حين تُومض الإشارة الخضراء ينطلق بسيارته صوب وجهته ولا يلتفتُ إلى سيّارة ذلك الرجلِ ويتركها تغيب في جهةٍ لا يعرفها.

ذلك الغبار المُتطاير أمامكَ في أرجاء الشّوارع، تلك الزّوايا الضيّقة الغامضة التي تختبئ فيها الحشرات والجراثيم، تستفزُّكَ كلّها وتجتذب انتباهك. تريد كل شيء كما تُحبُّه أنت. تلك الفتحات في عوادم الشّاحنات تقتلك غيظا وهي تنفثُ كتلة كبيرة من الدّخان الأسود. لا تستطيع أن تهدأ ولا تعطي نفسك فرصة كي تستريح.

يتوقّفُ بسيارته أمام مَحلٍّ تجاري كبير. يندهش مرة أخرى وهو يشاهد ذلك الزائر الغريب ذا الحقيبةِ يخرج من هذا المحل. يشيح بنظره لكي لا تلتقي نظراته معه. يضغط مقود السيارة ويطرق برأسه لبرهة من الزّمن ثم يرفع رأسه ويَتلفّتُ في أرجاء المكان فلا يرى أثرا لذلك الزائر. ينزل ويدخل إلى المحل ويتوجّه نحو رفوف المنتجات الصّابونية والمُنظّفات.

إنهم لا يعرفون قيمة ذلك الصابون القديم العظيم الذي كنتِ تُطهّرينني به وأنا صغيرٌ يا أمي. لو أنه يوجد في أي مكان كنت سأعرفه حتى ولو بدّلوا العلبة. ولكنني لا أعثر عليه أبدا مهما بحثت. تلك الرائحة النّاعمة مثل رائحةِ حقلٍ من الفواكه الناضجة. ياه كم أفتقده. أدور حول هذه الرّفوف الطويلة وأشاهد علبًا من مختلف الأشكال والألوان. هذه البيضاء، وتلك الخضراء، وهذه الصفراء، وتلك الحمراء. أعبرُ وسط هذه الغابة من الروائح المتنوعة ذات النَّكهات الحادة أحيانا والخفيفة أحيانا. تحت الإضاءة الكاشفة أعبر بين هذه الرائح والعلبِ ولا أجدُ صابونكِ المُفضّلَ يا أمي. لو أنني كنت حينها في سنٍّ أكبر من تلك السنّ لكنت أصررتُ أن يُحضروا لي نفس الصابون بعد أن رحلتِ سريعا أيتها الأم. منذ أن قضت عليك الشوارع المُكتضّة في ذلك اليومِ، لم يعودوا يجلبون صابونكِ إلى المنزل يا أمي. ولم أعد أعرف منه إلا ذكراه العالقة في رأسي مثل حقل فواكه ناضجة.

يعود إلى المنزل ويشرع في التطهّر من كل أدران الأماكن التي مَرَّ بها اليوم. يغسل يديه جيدا بالماء ثم يفركها بالصابون السّائل ويدعكها كثيرا. يفرك بالصابون ظاهر الكفِّ وباطنها. ثم يفرك بين الأصابع فيُخَلِّلُ أصابع يده اليمنى بين أصابع يده اليسرى ويفركها ثم يعكس الأيدي ويفعل نفس الشيء. بعد ذلك يغسل أطراف أصابعه ليتأكد من إزالة العوالق من تحت الأظافر، فيُجَمِّعُ أطراف أصابع كفِّه اليمنى ويفركها على راحة يده اليسرى بشكل دائري ثم يفعل نفس الشيء بأطراف أصابع كفِّه الأخرى. يغسل يديه أخيرا بالماء الجاري عدة مرات ليتأكد من زوال أثر الصابون نهائيا. في كل مرة يغسل يديه فيها يُقرّبُ يديه اثناء الغسيل من الماء بحيث يصل الماء إلى مستوى الرّسغين. يجب أن يصل الماء إلى كل الاماكن المكشوفة من جسمه خارج حدود الملابس لأنها تتعرض للهواء والجراثيم. يشمُّ يديه عدة مرات ويتناول الفوطة. يَشُمُّ الفوطة ويراقب المناطق الصغيرة بين الخيوط البارزة للفوطة. إنه يحفظ جيدا لوحةَ التعليمات المُصوّرة التي يُعلِّقها الاطباء في أعلى مغسلة اليدين داخل العيادة. بعد أن يتأكد من أنه نَشَّف يديه وصارتا نظيفتين، ينتقل إلى الاستحمام لتنظيف بقية الجسم. يحتفظ بهذا التسلسل بصرامة في كل مرة يعود فيها إلى البيت

يدخل غُرفته ويأوي إلى سريره النظيف. يُفكر عميقا بكل هذه الروائح التي يحتشد بها مكان عمله. يُفكِّرُ بالعَرق، بقايا الأطعمة، التبغ، العطور الوقحة، العفونة. تُرهقه الروائح السيئة. ويرهقه ما يُسمّيه بِاسْمِ النّوايا الشّريرة للجراثيم.

يستيقظُ ويستأنف يوم عمل جديدٍ بكلِّ أنشطته المُقَنَّنة. يَقبُعُ في مكتبه الزّجاجيِّ مسدّدا نظرهُ على جميع الزَّوايا. يُراقب الناس وهم يتوافدون على البنك لطلب القروض. يكتبون بياناتهم على الاستمارات الرَّسمية، ويوقِّعون على جميع الأوراق المطلوبة، ويبتسمون للموظفين.

ما أتعسكم وأنتم تفرحون بحساباتكم السّالبةِ وديونكم الطّويلة الأجل. تتهرّبون من الفقر بهذه الإجراءات التّعيسة وهذه الحِيلِ المُتواضِعةِ الذَّكاء. ما الذي سينقذكم من كل هذا الإذلال؟ هل ترغبون أن أوقِّع بالموافقة على طلباتكم؟

حسنا، لن أسألكم عن رائحتكم أو عن مواعيد استحمامكم حين أوقِّعُ لكم الأوراق. تَعالوا إليَّ أيها البائسون فأنا هنا لمساعدتكم جميعا. احملوا المال من عندي واذهبوا لتشتروا لكم ولأبنائكم الكثير من الصّابون. أنا اشتري لكم المُنظِّفات والملابس الجديدة. ألا تشعرون بمدى عِنايتي بكم؟!

لم تتعلّموا سوى الثّرثرة المجّانيّة. أمّا أنا فتعلّمتُ منذ صغري فضيلة الصمت والتّفكير. من الجيّد أنني لم أنفق ساعات عُمري على الصّداقات والعلاقات العائليّة. الوحدةُ والصّمتُ يُعلّمان التَّركيز ويَنمِّيان مهارة المُراقبة.

في الساعة الأخيرة من يومِ العمل يُشاهدُ ذلك الزَّائر يدخل حاملا نفس الحقيبة المُهترئة من الطّرف. يراه يتكلّم مع موظف الاستقبال ويُخرج من الحقيبة بعض الأوراق ويُريه إيّاها شارحا له بحركة جسمه وإيماءة رأسه ما بها من تفاصيل. يرفع الأوراق بيده اليُمنى ويُقرّبها من الموظَّف بينما يضربُ بظاهرِ يده اليسرى عليها مُشدّدا على شيء ما. بينما يرى المُوظّف يلتفتُ باتجاهِه يشاهد ذلك الزّائر يقف ويمشي قادما في اتّجاهه.

ها أنت تراه الآن يسير في اتّجاهك بينما تُراجع في عقلك الأحداث الماضية. من منكما كان على حق يا تُرى فيما تَحدّثتما به في المرة الماضية؟ هل ما زلت تظن بأن هذا الشخص ذا الهيئة العادية سيكون شريكا لك في عمل عظيم؟

يلتقيان في جوٍّ مشحون. يتبادلان تحية باردة. ما زال يُنكر أنه تكلم عن أي مشروع يتعلق بشركة نظافة. حتى أنه نفى أن يكون تواجد في ذلك المحلّ التجاري البارحة وأن المدير يتوهّم ذلك مثل باقي الأشياء.

ثمّة بُقعة صفراء خفيفة في الطّرف الأيسر من ردائه الأبيض. في لحظة ما من الحديث تطاير من فمه لُعابٌ قليل. على الطاولة لاحظ وجود شُعيرة سوداء. في مكتب بعيد بدا كما لو أنه رأى بقايا طعامٍ متروك على طاولة أحد موظفيه. رآه مرّتين يَحكُّ شَعر لحيته بأطراف أصابع يده اليمنى أثناء تَكلُّمه.

يرفض أن يُكمل الحوار بشأن الجدوى الاقتصادية من إنشاء مشروعِ شركةِ نظافةٍ عالمية. أصواتهما تعلو والمُوظفون وقفوا يستطلعون الأمر. انتهى الحوار بضجّةٍ كبيرة. وأثناء خروج الزّائر من مكتبه رفع يده وعمل في الهواء إشارة تقول بأن المدير مجنون. قام هو بسرعة وأغلق باب مكتبه وجلس على كُرسيه يحاول أن يفكّر بتركيزٍ فيما جرى. تحاشى أن ينظر إلى أيٍّ من مُوظفيه المُتلصّصين عليه الآن من خلف الزّجاج.

رفع إشارة بيده إلى أحد موظفيه أن لا يدخل وأن يدعه لوحده.

لا فائدة من البقاء في هذا الجو المزعج.

يقف للخروج، ويلتفت صوب كرسي الزوار ويراها متروكة هناك واقفةً بصمت في المكان.

هذا الصّيد الثمين الذي نسيه هنا لا بد أنه سيكشف لي حقيقته. أنا سيّدُ المراقبة والتركيز منذ صغري. الأشياء تضع نفسها أمامي دائما لكي أكشف بواطنها. ينبغي لأمثالي أن يكونوا في وضع العارف دائما.

ينتشل الحقيبة المَنسِيّة من الأرض ويخرج بسرعة بدون أن يتحدث مع أي أحد. يقود سيارته الجامحة باتجاه المنزل. ولكنه ينحرف فجأة في اتجاه محل تجاري كبير. يُفتّش بهستيرية في رفوف منتجات التّنظيف. يخرج من المحل بدون أن يحمل شيئا. يجلس في سيارته على كرسي السائق ويُغمض عينيه. يمكثُ طويلا جدا في وضعيته هذه ثم يُشغّلُ سيارته ويقودها عائدا إلى مبنى البنك.

يقف في المواقف الخالية تماما أمام المدخل المُغلق لمبنى البنك. يمكث طويلا داخل سيارته في وضعِيّةِ الانحناء على المقود.

كلّ هذه الكائنات التّعيسة في أسمالها البالية تمشي في الشوارع، وتدخل المحلات التجارية، وتتنزه في الحدائق العامة، وتزورني في مكان عملي. كل هذه الكائنات المُعذبة تحيى بدون أمل في تَغيُّرِ العالم. لا يستطيعون الاغتسال من ذكريات ماضيهم التعيس. يبتسمون لي بوجوههم الكالحة كل يوم ولا ينطقون مرة واحدة أمامي بطلب المُساعدة لأنقذهم. ربّما لم أعد أتحَمَّلث المزيد من هؤلاء المُلوَّثين الخانعين.

يرفع رأسه عن المقود ويفتح عينيه ويلتفتُ بسرعة إلى الحقيبة السوداء التي إلى جواره وكأنه ذكّر شيئا ما. يَهِمُّ بفتحها فتُباغته الرّائحة العالقة بها.

كيف لم أحدِّد مُلاحظتي هذه من قبل؟ كيف لم أتذكّر هذه الرائحة العزيزة منذ أول مرة دخل علي هذا الزّائر؟ كيف أنكرت حَواسّي كل هذه الرائحة التي دخلت عليَّ عدة مرات في مكتبي؟

انا أعرفها. أعرفها جيدا. إنها هي حقا ولكن عقلي لم يُصارحني بأنها هي رغم مجيئها أكثر من مرة. إنها هي فعلا. أوه أيتها الحقول المليئة بالفواكه النّاضجة، ضُمّيني إليك. خبِّئيني من هذا العالم المُلوّث. خبئيني من المحارم الورقية المُتعفّنة. أيتها الأراضي العذراء ضُمّيني إلى زهورك البريئة. أيتها الغابات البِكرُ احتويني بين نباتاتك النّضرة.

ظلَّ جامدا على كُرسيّه يَتّخذُ وضعيّةَ التَّذكُّر والتّفكيرِ بدون أن يلمس الحقيبة المغلقة.

هل تُفكّر أنك ستجد الكثير من الإجابات والحلول الكبيرة داخلها؟ لماذا تظنُ أنك ستُنقذ العالم بهذه الحقيبة المُغلقة على أسرارها؟ هل تظن أنك وجدت الآن ما كنت تبحث عنه من سنوات؟ لماذا تخاف من فتحها أمامنا الآن في هذه اللحظة؟

أنا لا أنكر أنني أنتظر مفاجأة في الحقيبة، ولكنني مثلكم لست واثقا من وجود فكرةٍ واحدة تُنقذ هذ العالم وتُطهّره. وربما أنا واثق من ذلك. وربما لست واثقا. لكنني على أية حال لن أنجرف إلى الخوف الآن. أنا الجريء الشّجاعُ المُقتحم. سأقاتل وحدي إن اضطررت.

ما زال جامدا يُراقب الحقيبة السوداء الجاثمة إلى جواره بجِلها المُهترئ من الطّرف. هذا الاهتراء المُتَمدِّدُ في عِدّةِ اتّجاهاتٍ يترك الجزء المُتقَشِّرَ من الحقيبةِ أشبه بخريطةِ العالم.

هل تظنُّ أنك تتكلم باسمِنا جميعا أيها الصَّيرفيُّ المُكتنزُ بالوحدةِ والأسرار؟ ماذا ستفعلُ وأنت جزءٌ من هذا العالم الذي تعيشه وتنتقِده؟

أنا لستُ جزءا من هذا الخراب. أنا المُنقذ الأخير لهذا العالم المُتعفّن. أنا سأطهِّرُكم، وأنا…

يُدَوّي في المكان صوتُ جهازِ الإنذار الجبّار الذي انطلقَ مُباشرةً بعد أن انهالت يدُ المدير على جهاز الصرّاف الآلي بالضربِ والتّكسيرِ المُتواصل بِعمودٍ حَديديٍّ اقتلَعه من طرفِ اللّوحة الإشهاريّة العملاقة  التي تقع على واجهة مبنى البنكِ وتحمل شعاره المُلوّنَ مع صورٍ لأشخاص أنيقينَ يبتسمون للنّاظرينَ بثقةٍ كبيرةٍ وقد كُتبت فوقهم عبارةُ ” نحن نُحقِّقُ لك أحلامك”.

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون

موقع ويب مدعوم بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑