
القَذائف تتساقط بكثافة من الطائرات المُحلّقةِ فوق الجبل وترسمُ خيوطا من الدّخان مُمتَدّةً من السّماء إلى فَتحةِ الكهف الذي في قِمّةِ الجَبل. خيوط الدُّخانِ المُمتدةُ بين عين الكهفِ والسماءِ تشبه رُموشًا دقيقةً لعين الكهف الضّيِّقة.
الشَّيخُ والجُندِيُّ جالسانِ في بؤبؤ عين الكهفِ القريبة من قمة الجبل في وضعِيَّةٍ مُتَرَبِّصةٍ يُراقبانِ أشباحَ القِطعِ العسكريّةِ للعدوِّ التي تناثرت على مسافةٍ قريبةٍ من سفحِ الجبل. الأشباحُ البعيدةُ للجنودِ الذين يتقدَّمونَ تَقعُ على مرمى بَصرِ الشّيخِ والجندي.

على الأرضِ، حيث احتشد الجنودُ قربَ سفح الجبلِ، تَلمعُ المناظيرُ المُكبّرةُ راصدةً أيّةَ حَرَكةٍ على قمةِ الجبل. المناظير تَتبعُ الانتقالات الحذرةَ للجنود الذين على القمةِ تحت رُموشِ الدُّخانِ مُباشرةً.
- هل تعرفُ يا شيخي ما الفرق بين أن تزرعَ فسيلةَ نَخيلٍ وأن تزرعَ لُغْما أرضِيًّا؟
- التجربة خيرٌ من الحكمةِ المكتوبة أيها الجنديُّ، فَقُلْ لي.
- إن الفرق قاتل. إنه الفرق بين أن تُمسك قطعة من المعدن المصقول والملائم لمسكه باليد ولكنك تظلُّ خائفا وحذِرا منه، وبين أن تُمسكَ بكُتلةٍ حَيَّةٍ مليئةٍ بالأشواكِ والشَّظايا ولكنك تطمئنُّ إليها وتُمسكُها وتنحني معها باسترخاءٍ في رحلتها إلى الأرض بدونِ تَوتُّرٍ أو قَلق. تلك الشَّظايا والأشواكُ تقعُ على السَّطحِ وتستطيعُ أن تثقَ بها طالما أنك تَراها، ولكنَّ ذلك الديناميت اللّعين يختبئ في بطنِ المعدن ويَظلُّ مُتربِّصا حتى بِزارِعهِ الذي لا يراهُ ولكنه يشعرُ بنفوذهِ القاتلِ والشرّيرِ على مشاعره وحَواسّهِ وأفكاره.
- ” إنما الأعمال بالنِّيَّاتِ”. لا تقلق من آثارِ هذا الفِعلِ اللحظيّة، فالخيرُ قد يكون في الشيء القاتل أحيانا. المَبدأ يرسم لك طريقا قد يَمرُّ بالشَّوكِ أحيانا ولكن اسأل نفسك أين سيَصِلُ بك في الخاتمة. أنت تعرفُ أن جنودنا المؤمنين بالقضيةِ معنا قد أتوا من أماكنَ ومِهنٍ مُختلفة. وأنا أرى أنه من المُناسب أن نترك هذه المهمة على عاتق الجنود الذين كانوا مُزارعين في الأصل، بَدَلَ أن نُعلّمَ التُّجّارَ والطُّلابَ مثل هذه الأشياء وذلك من بابِ الدِّرايةِ المُسبقةِ ليس إلا واختصارا لوقتِ التّدريب. الزارعُ يعرفُ كيف يفحصُ التّراب ويُعالجه بحذرٍ لكي يزرع فيه ما يشاء.
- نعم يا شيخي، نحنُ المُزارعينَ نعرفُ الأرض والتُّراب ونُنَفِّذُ أوامرك ونعرف الهدفَ السّامي ونُريد تحقيقه. ولكنني أتكلمُ عن شيء آخر يا سيّدي. إنَّ فكرةَ الهدف تتلاشى في لحظةِ وضعِ ذلك الشّيء في الأرض. هنالك فرقٌ بين أن تَضعَ شيئا حَيًّا على الأرض وتتخيّلَ من سيأكل منه في الغد ليحيا، وبين أن تُفكِّرَ في اللحم المُتَهتِّكِ من شظايا الموتِ الذي زرعته. في تلك اللحظة تشعرُ أنك لم تَعد تثقُ حتى في التُّراب. تُزيلُ الكَمِّيَّةَ المُناسبةَ وتكون يدُكَ مِجرفةً دقيقةً في العمل وأنت مُنحَنٍ على تلك البُقعةِ التي اخترتها. وتفكر في العمقِ المناسب والمُحيط المناسب. ولكنَّ الفرق كبيرٌ بين ان تُفكر في الجزء العُلويِّ من فَسيلتك الذي ستدعه يعيش في الشمس وفي الهواء، وأن تُفكر هل خبَّأت هذه القطعة المعدنيّةَ المُستديرةَ جيدا. هل طَمرتها بما يكفي لكي تَنطلي الخُدعةُ على الآخرين.
أشباحُ الجنودِ بدأت تَتَّضِحُ أكثر. طلائعُ الجنودِ الذين وصلوا إلى سَفحِ الجبل يَمشونَ وهم يَطعنون الأرضَ بأطرافِ بَنادقهم ويَلكزونَ أحجار الجبلِ بحذر. حَوافُّ البَنادقِ تلمعُ تحت الشمسِ وتتركُ وَهَجًا مُزعجًا على عَدَسةِ المِنظارِ المُكَبِّر.

الشَّيخُ يُزيحُ المِنظارَ عن عينيه ويضعهُ إلى جِوارهِ ويَفركُ عينيه. كان وجهه وديعًا ومُسالِما بلِحيته البيضاء الطّويلةِ والنّاعمةِ وبعينيهِ الصَّافيتين. ورُموشُ الدّخانِ ما زالت مُمتدّةً من الطَّرفِ الأعلى لعينِ الكَهفِ وحتى السماء.
- قُل لي يا وَلَدي، هل أوصيتَ أهلكَ خيرا في إجازتكَ الأخيرة؟ وهل وَدَّعتهم كما ينبغي؟
- نعم يا شيخي. ويبدو أن زوجتي تفهم الوضع القائم الآن. وأيضا لقد أوصيتهم أن يعتنوا بصَرمةِ ” الخصاب” الجديدة لأنَّ ابني الأخير سيأكل منها يوما ما ويتذوّقُ طعم الصبر والكفاح من آثارِ يدي.
- هذا جيد. تَوقَّفْ عن اللَّغوِ وقُل الحمد لله أنك تركتَ عَملَ خيرٍ جاريا. سيأكلون ثمارَ عملك في المُستقبل، فاصبر واحتسب أمرك إلى الله.
- الحمد لله. ولكنني يا شيخي قد تركتُ أيضا قِطعا قاتلةً في الطَّريق الذي قد يَمرُّ فيه ولدي يوما ما.
- لا تَخف لا أظنُ أن هذه الأشياء ستبقى لكي تؤذي صِغارنا في الغد. ستكونُ عُنوانا مُشرِّفا أثناء الحديث عَنّا بالتأكيد. لا تَخف سوف تنفجرُ في أعدائنا فقط وسوف يتذكّرونك في الغد بنخلةِ “الخصابِ” الباسقة فقط.
- لا أعرفُ يا شيخي، لم أعد أعرف ماذا تركنا لهم بالضّبط، النخيل أم الديناميت. ما الذي دَفَنَّاهُ لهم بالضبط تحت تُرابنا وتُرابهم. ماذا سيعرفون عَنَّا وكيف سنُأثِّرُ في حياتهم في المُستقبل. هل يُعقل أن نُنسى بمُجرّدِ أن نموت؟!
- قلت لك لا تَخف. نحنُ لسنا مَبتورين عن الماضي أو المُستقبل. نحن الفكرةُ التي لا تموت وإن تَغيّرت الأحوال…
- آه يا شيخي. آه لو أخبرك عن ذلك الشُّعور في تلك اللّحظات حين تبدأ في دفنِ المَعدنِ المُستدير بعد أن وضعته في مُستَقَرِّه الواطئ. تَبدأ من الحَوافِّ وتنتهي بطمرِ الجزء الذي في مركز الدائرة المعدنيّة. ذلك الجزء الذي توجد فيه الإبرةُ القاتلةُ مُفجِّرةُ الفَتيل. عليك أن تَطمُرها بحذر. بحذرٍ يا شيخي. النَّخلة لا نَطمرُ مَركزَها بحذرٍ يا شيخي. لا نَطمرُ مركزها. لا لا. لأنَّ مَركزَها يقِفُ على عينِ الشَّمس. مَركزُها أمينٌ وصادقٌ ويقف واضحا تحت الشَّمس.
- تَوقَّفْ عن النَّحيبِ فليسَ هنالك وقتٌ للتذكارِ ونحن أمام مرمى العدوِّ.
- آسف يا شيخي آسف. لكنَّني مُزارعٌ حزين. لم أعد أستطيعُ الإحصاءَ كما كنتُ أفعل. كنتُ حريصا أن يكونَ عددُ الأشجارِ التي زرعتها أكثر من عدد الألغام. اليومَ لم أعُدْ أعرف. لم أعد أعرف كم هذا وكم ذاك. تاهَ مني الحِسابُ مُؤخَّرا ولم أعد أدري أي مُزارعٍ أنا. أنا ” البيدارُ” الطَّيبُ صاحبُ المزرعتين. أنا بيدارُ الموتِ وبيدارُ الحياة. هل أنا بيدارُ الموت؟!

الجُثثُ بدأت تَملأُ عَدسةَ المِنظار. جُثثُ الجنود الذين سقطوا في تبادل إطلاقِ النَّارِ انتشرت على السفح. قِطعٌ جامِدةٌ مُغَلَّفةٌ بالبُنِّيّ الكئيب تنتشر على العدسة المُراقبة كأنها حُبوبٌ في وجه الجبل. وملامحُ الجنود الذين يتحرَّكونَ بدأت توضح الآن ويرتسمونَ كبشرٍ حقيقيين أمام العينين المُراقبتين.
تختلطُ الألوان البُنِّيّةُ وتتلاشى الحدود بين الجنود والصخور والجبل وسط دَوّامةٍ من الألوانِ المتصادمةِ تَظهرُ في العدسةِ أثناءَ انتقالها بسرعةٍ بين مشهدين. الشَّيخُ يوقفُ المنظار الآن ويعيدُ التركيز على نُقطةٍ مُحدّدة وحدودُ الأشياءِ تبدأ في الظهور من جديد. يُركّزُ الشيخُ نظرهُ على جنوده الذين في القمة حيث انتشرت جثثٌ مُشوَّهةٌ يختلطُ فيها اللحمُ بالتراب. قطعُ الجُثثِ التي فَجَّرتها قذائفُ القَصفِ الجوّيِّ تتناثرُ بعشوائيَّةٍ بين أحجار الجبل وأشجاره الصغيرة.

- هل تعرفُ يا شيخي. في وقتٍ ما تَمَنَّيتُ لو أنني أستخدمُ البندقية بدل اللغم. أعيشُ تلك اللحظة التي تتكافأ فيها فُرص الحياة والموتِ بيني وبين عَدُوّي. أكون أمام عينيه كما هو أمام عيني. أُسَدِّدُ إليه نظرةً ثاقبةً وأشاهدُ شبح الموتِ بين عينيه وأتحدَّاهُ وجها لوجه ونظرةً لنظرة. ونترك القدر وفارقَ الثَّواني يقرِّرُ مصيرنا. هكذا أمامه مباشرةً يتَعرَّف إلى مَلامحي وأتعرفُ إلى مَلامِحه. ونتركُ انطباعا واضحا عن الذُّعرِ الأخير في وجوهنا الذي لن ينمحي من ذاكرةِ الذي يبقى حَيًّا مِنَّا. نتقاتلُ وجها لوجه وعُيوننا ترصدُ اختلاجَ مَلامِحنا ونَظرتَنا الأخيرة. لا أريدُ أن أقتلَ شخصا لن أراه. كرِهتُ نصبَ كمائن للقتلِ بالمُصادفة. وانتظار أن يسقط ضحيَّتي في اليوم الذي لا أعرفُ متى سيأتي.
أنزلَ الشَّيحُ المِنظار عن عينيه ونظَرَ بنظرةِ مُواساةٍ إلى الجُنديِّ الأعور. رَكَّزَ النَّظرَ على عينهِ الواحدة وقال له بصوتٍ مُواسٍ:
أنت تعرفُ لماذا أنت تعمل هذا العمل معنا. إصابتكَ في تلك المَعركةِ لم تُبق لك إلا عَملا مُلائما واحدا معنا.
في تلك اللحظة بالذات كان الهواء الذي أمام الكهفِ يندفعُ بقوَّةٍ هائلةٍ في اتجاه عين الكهف حاملا معه صوتًا ضخما يعوي بقوةٍ في الأذنين وتتعالى شِدَّته بشكلٍ سريع خلال ثوانٍ. وفي لحظةٍ واحدة قبل أن يعرفَ الشيخ أو الجنديُّ ما هذا الصَّوتُ، كانت كُتلةُ دخانٍ كبيرةٌ تملأ عينيهما وتجعلُ الرؤية غارقةً في الغُبارِ الأعمى.
وعينُ الكهفِ الوحيدةُ قد انغلقت تماما.
من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون