الحَجَرَةُ البَيضاءُ الحَادَّةُ الجَوانِب

يا قارئي العزيز، يا مُتَحفِّز، أيها المُتقافِز عَقلُكَ الآن مثل الأولاد الصّغار لكي تعرف هذه القصة، لا تتوقّف عند العَتبة. اقفز. سأصارحكَ منذ الآن. أنا قَتلتُ هذا الرّجلَ الموضوعَ الآن أمامك هنا تحت سقف العالم المُضاءِ بالشّمسِ الكاشفة والفاضحة.

ضع عينيكَ تماما على هذه البقعة. تحت شجرة السّوقم الكبيرة الضّخمة.

هذه الجثة المَلفوفة بالأبيض وسط حشد الذّقونِ المُشَعّرةِ والمشاعرِ المتذوّقة للحزنِ بتَلذّذ. هنا وسط حشدهم أقفُ على بُعدِ خمسةِ باكين.

فيمَ تُفكّرُ الآن؟

كيف قتلته؟

ماذا تريد؟ طريقةً وحشية بدائية؟

هل تُريدُ أن أحضركَ معي إلى المشهد الأحمرِ يا مريض؟

هل تتذكّر مرةً كيف نزف منك الدّم من جرحٍ صغير؟ تذكّرتَ صَح؟

السّائلُ الأحمر اللّزج برائحته البَريّة ونكهتهِ المالحةِ يسيل ببطء.

هل تقبّلتَ الفكرة؟

هل تذكّرت مرة أنك في شجارٍ طفولي جرحتَ زميلا؟

هل رأيت دمه يسيل أمامك؟ مشهدٌ عادي صح؟

قتلٌ صغير؟!!!!!

تَقبّلتَ الفكرة إذًا يا قارئي المُتواطئ؟

اعترف هيّا. لا تتذرّع بالكلمات الوسيطة: لم أكن أقصد، ضربةٌ طائشة، مصادفةٌ سيئة، خطأ تقني…..

اذهب إلى شهوتك الأصلية وتلذّذ بالصَّراحةِ اللّزجة. دم، انشقاق الجِلد، جحوظ العينين، التّرنّح، السّقوط المُدوّي، الشّهقة الأخيرة، يدٌ ترتعشُ في الفضاءِ الصّامت.. وتَسقطُ للمرة الأخيرة.

سأصارحك منذ الآن إنّه صديقي الحميم منذ الطفولة.

هل يَتلذّذُ عقلك المريض باقتفاء عضّةِ القَدَرِ الذي غدرَ بالمغدور؟

توقَّفْ عن مُلاحقةِ السّردِ المتذاكي وأعطني مُخيّلتكَ لنذهَبَ إلى هذه البُقعةِ قبلَ خمسةِ أيامٍ غادرةٍ وحامضةٍ بالتآمر.

إذًا قبلَ خمسةِ أيامٍ كُنّا أنا وإيّاهُ- الذي سنقتله سويّةً بعد قليل ، والذي قتلتُهُ أنا في البدايةِ- جالسَينِ إلى جِوار بعضنا على الصخرة الكبيرة تحت شجرة السّوقم. أمام أعيننا على بعدِ خطواتٍ مسجدُ القرية.

هل تَتصوّرُ أيَّ قَرَفٍ تُوشكُ أن تقوم به يا أنتَ القارئُ المتواطئ؟

تحت الشجرة العجوز نتكلم وأمامنا المسجد، والليل هاديء إلا من احتكاكاتِ أطرافِ صرصار الليل المصقولة.

هكذا نحن الاثنان واجِمان. أمامنا مُباشرةً بضعة أغصانٍ يابسةٍ ومُتكسِّرةٍ وبضعة أحجارٍ مُلوّنةٍ مُتنوعة الأشكال. بدأ هو يتكلم بتلعثم ويصكّ أسنانه مثل عجوز ينتفض من البرد ويوشك أن يموت، أو مثل ولد صغير مذنبٍ ومذعور. كلماتٌ مُقطّعةُ الأحرفِ هي كل ما كان يصِل إليّ في بداية الحديث.

استمرَّ يتكلّمُ ببطء، بينما أنا أرسمُ تلك التَّقطيبة على الجبين، وعقدة الحاجبين وانبعاجَ الشّفتين من الاستغراب. يتكلمُ وأستمعُ، والصوتُ الحادّ لِسَنِّ شِفراتِ أطرافِ صرصار الليلِ يتطاير في النّسيمِ الخفيف ذي الحفيف الهادئ. صوتُ الصَّريرِ الحادِّ لِسَنِّ الشّفراتِ يطيرُ محمولا بالنّسمات المُوَسوِسَةِ ويُحلّقُ بيننا عابرا وجوهنا وأيدينا ( أيدينا التي كانت متشابهةً بحالة السكون حتى الآن) ويطيرُ إلى المسجد الذي يبعد عنّا خطوات قليلة ويصطدم بجدرانه الصامتة والساكنة والساجية.

ماذا يريد خيالكَ المهووس بعد؟

صوتَ غُرابٍ في الجو؟

لا يوجد.

حسنا، كان هنالك صوتٌ خفيفٌ لطيورٍ قادمٌ من مقبرة القرية، فهي غير بعيدة من هنا.هل تتذكّرُ طقوس الدّفنِ المعتادة؟

هل رأيتَ من قبلُ الجثثَ المَطويّةَ بالبياضِ تُدفنُ مع مُقتنياتها الأخيرةِ البيضاء؟

هل دَفنتَ جُثثًا لم تَقتُلها؟

ربما أحدُ مَدفونيكَ كان مقتولا في حادثةِ شِجارٍ أو حادثةِ…

دعنا نَلِجُ إلى كبدِ الحقيقةِ مثل طعنةِ خنجرٍ تنغرسُ بسلاسةٍ في اللحم.

” أنا أريد أن أتزوجها…”

هذه العبارةُ المبتورةُ من الحوار لن تفيدك وحدها. لا تحاول أن تبحث عن سبب منطِقيٍّ يشرحُ لِمَ أنت شريكي في القتل. ستشاركُني العمليّةَ بعد قليل. سوف تتواطأ، لأنه علاوةً على كونك مجرَّدَ قارئٍ وهذا يُعفيكَ من الاشتراك في جريمةٍ حدثت قبل أن تقرأها، فإنك في كل الأحوال غير مُتورّطٍ في أيّةِ عناصرَ ماديَّةٍ للجريمة.

لكن لا تَقُلْ لي أنك لا تملك أيّ دافعٍ معنوي للاشتراك في هذه الجريمة. بل إنك لهذا السبب بالذات سوف تتواطأ معي على قتله. ببساطةٍ لأنك ستنجو من العِقابِ في كل الأحوال.

هل تظنُّني أقيم حُجّةً عليك بدون أن أعرفك. لا. ربّما لم أكن معك في جميع مراحل نُموّك النفسي والعاطفي ولكنني أعرف تماما ما الذي عَنَتهُ لك تلك الشّطحاتُ الطفولية لامتلاك ألعاب الآخرين. ألم تُفكّر في سرقةِ شيءٍ صغيرٍ يوما ما لأنك تُفضّلُ أن تمتلكهُ أنت بدلَ فُلان؟

صغيرٌ، صغيرٌ ولكنَّه يكبرُ مع الأيام. إذا كنتَ لم تسرق فهل تخلّصت من الرّغبةِ الطفولية في السرقة؟

الاستحواذ على مقتنياتهم؟

الامتلاك؟

أخذ الأشياء؟؟؟

تخَلَّصتَ من كلِّ هذا؟ لماذا إذًا تُفَتّشُ في ذاكرتك الآن عن إجاباتٍ لكل هذه الأسئلة؟؟؟

لماذا تُفتّش في ذاكرتك الآن في هذه اللحظةِ عن أيّةِ جريمةٍ صغيرةٍ قد اقترفتها يومًا ما؟ هل تريد أن تَتوب؟ أن تَصفَحَ عن نَفسك؟

إذًا لا بدَّ أنك بدأتَ تَشكُّ في نفسك منذ الآن.

هل تُحصي جرائمكَ ( الصّغيرةَ) الآن؟

سرقتَ لعبةَ أحدهم؟ أتلفتَ لعبةَ أحدهم من باب الغيرة؟ أحدثتَ خدشًا في سيارةِ جارك بدون أن يراك أحد؟ خبّأت في جيبك قطعة حلوى صغيرة بدون أن ينتبه البائع؟ … قائمة طويلةٌ جدا.

على أيةِ حالٍ فإنَّ الخبرةَ الحقيقيّة في هذا الموضوعِ لا ترتبطُ بالتّجاربِ الصغيرةِ بل بالكبيرةِ دائما. وأذكّركَ أننا نتكلمُ هنا عن جريمة التواطؤ بالتحديد. أو ربّما عن التوكيلِ للقيام بجريمةٍ بالإنابة!!!

” أريد أن أتزوجها.. نعم أريد أن أتزوج أختك”

هكذا كانت العبارة المتوترة، وأنا بين الدهشة والاستفسار. ضجيج احتكاكاتِ الأطراف اللامعة لصرصار الليل يطير بيننا، والجدران الصامتة للمسجد، ونعيب الطيور البعيدة والنّسيم المتلاطم في وجوهنا، كلها كانت ترتطم بأفكاري وتشتتني.

” أريد أن أصلح خطأي وكنت سأصارحك منذ زمن ولكنني….”

الارتباك يزداد ويداي تنتفضان في حركات عشوائية بينما يداه تتراخيان من القلق.

اقفِزْ معي إلى كبد الحكاية. هل تظنني مخطئا الآن؟

تريد تبريرا أكثر للقتل؟!

جريمة شرف.

هكذا يسمّونها. أعطني يدك يا قارئي. هل تحسّ مثلي بالدّم يغلي في أنابيب جسمك كلّها؟

هل تستفزّك الفكرة؟ أعطني يدكَ لأحقّقَ لك ما تفكر فيه الآن.

النّسيمُ الآن يصفر قرب أذني والأصوات تهسهس بطريقة مشوّشة. وحين بدأ يتحدّث أكثر بطريقته المتلعثمة كنتُ أنا مطرقا إلى الأسفل ورأسي يغلي.

أطرق رأسك معي يا قارئي واترك هذه الفكرة تتشكّل في عقلك كما تشكّلت في عقلي. نحن مطرقان وتحت عينينا مباشرة أحجار حادّةٌ جدا.

أنا وأنت مُطرقان وأمام عينينا الحجارة الحادة ونسمعه يتلعثم ويسرد القصة بكلمات لا تُهمّنا الآن. لم تعد تُهمّنا الكلمات التي قد نَحشو بها السّرد طالما قفزنا أنا وأنت إلى كبدِ الحكاية في هذه اللحظة. الأصوات والحشرات والهواء لا يُمكنها أن تشهدَ ضدّنا إذا أقدمنا على هذه الفكرة التي تملأ رأسينا أنا وأنت الآن.

وما زالت الأحجار المتنوعة تلمع تحت الإضاءة الخافتة القادمة من صوب المسجد. تلك الحمراء منبعجة كثيرا ومتشقّقة، تلك البنّيَّةُ متثلّمةُ الأطراف ومُدبّبة في المنتصف، تلك البيضاءُ هي بحجمِ راحةِ اليدِ وجوانِبها الحادّةُ تلمعُ بوضوح. دعنا نتناول تلك الحَجَرة. بل تلك الأخرى الحادّةَ أكثر. هيا ارفع يَدك معي. أيّةَ واحدةٍ اخترت؟ تلك؟ إذن أنت مِثلي رأيتها هي الأنسب للعمل الآن. تَلذّذ مثلي بالتطبيق للفكرة التي تسكن مُخيّلتنا منذ زمن.

لا يُمكن أن يلومنا النّاس الذين نعرفهم. كُلّنا سنقتله. سنقتله الآن. وسط ضجيج الحشرات والطيور المُحرّضة. سوف نحصلُ على فرصةٍ الآن لنتذكّرُ الرائحة البرِّيةَ للدم ثانيةً.

هل تُكَوّرُ قبضتكَ في هذه اللحظة؟

هل شعرتَ مثلي بصلابة الفكرة؟

الرّعشة الأخيرة. الحشرجة. الآهةُ الأخيرةُ التي ستُخفّفُ ألَمَنا.

دعنا نركضُ سَويّةً. لن نلتفِت للخلفِ ونحن نركض بين الأشجار في قلب الليل. نجري بكلّ قُوّتنا والليلُ سينهارُ بد قليل. نركضُ سَويّةً ولا يُهمّنا الآن ما سيحدث في الغد.

هل نتوقّفُ لنلهثَ قليلا؟

ما هذا العالقُ بين أصابعنا؟ هل كان هذا السّائلُ الأحمر عالقا في أصابعكَ منذ صارحتُكَ عن الحكاية؟

اذهبْ ولا تَلتفِتْ للرّائحة وأنت نائم الليلة.

لا تُنكر الدّمَ يا شريكي.

لا تُنكر الدّم.

من فضلكم، اتركوا لنا هنا أثرا من مروركم لكي تسعدونا أو تغضبونا كما تشاؤون

موقع ويب مدعوم بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑